يُلاحظ المتابع للنقاش العمومي في موريتانيا أن بعض التعليقات السياسية والإعلامية تميل، كلما برز حدث إداري أو تعديل في وتيرة الأداء الحكومي، إلى استدعاء فرضية جاهزة تُسمّى عادة “صراع الأجنحة”. وهي فرضية مغرية من حيث السرد، لأنها تقدم تفسيراً بسيطاً لواقع معقد، وتُرضي نزعة التسييس السريع، لكنها تظل ـ في كثير من الحالات ـ فقيرة الدليل، ضعيفة القرائن، وتقوم على خلط منهجي بين طبيعة الدولة الحديثة وبين أساليب القراءة التقليدية للسلطة.
إن الدولة ـ بوصفها مؤسسة ـ لا تُقاس بالهمس داخل الكواليس ولا بثرثرة الصالونات، بل بانتظام الوظائف: وحدة الأولويات، تماسك السياسة العامة، استمرارية القرار، قابلية التنفيذ، وانضباط سلسلة القيادة. وعندما تُستبدل هذه المؤشرات الموضوعية بتأويلات نفسية وسيناريوهات تنافسية غير قابلة للتحقق، يتحول التحليل إلى “حكي سياسي” يفتقد معيار البرهنة. فـ”صراع الأجنحة” ليس مفهوماً تحليلياً بحد ذاته، وإنما ادعاء يحتاج إلى أدلة تُظهر أثره في القرار وتناقضه في السياسات، أو تعطله في التنفيذ، أو انقسامه في مراكز السلطة. وحين تغيب هذه العلامات، يبقى الحديث مجرد إسقاطات أو رغبات أو تقديرات انطباعية.
من جهة أخرى، ينبغي التفريق بين أمرين يختلطان عمداً أو جهلاً: الاختلاف الإداري المشروع والصراع السياسي على القرار. في أي حكومة تعمل ضمن منظومة دولة، ستوجد تباينات في المقاربات، اختلاف في ترتيب الأولويات القطاعية، وحتى تنافس إيجابي على الأداء والنجاعة. هذا جزء من بنية العمل العمومي، بل قد يكون علامة صحة إذا ظل داخل الأطر المؤسسية وتحت سقف التوجيه الاستراتيجي. أما تحويل هذا الاختلاف الطبيعي إلى “صراع أجنحة”، فهو قفزة تفسيرية تتجاهل منطق المؤسسات وتُعيد السياسة إلى نموذج القبيلة أو الحلقة الضيقة حيث يُختزل كل شيء في حسابات النفوذ.
في هذا الإطار، يبرز عنصر حاسم في فهم المشهد التنفيذي الراهن: انسجام العلاقة بين التوجيه السياسي الأعلى وبين آليات التنفيذ الحكومي. إذ إن تماسك النظام لا يتحقق بالشعارات، وإنما بتطابق الاتجاه العام للدولة مع جهازها التنفيذي: أن تكون هناك رؤية عليا واضحة، ثم قدرة حكومية على ترجمة هذه الرؤية إلى برامج وإجراءات وأولويات قابلة للقياس والمتابعة. وهنا تتجلى أهمية إدارة الوزير الأول المختار ولد أجاي للفريق الحكومي، بوصفها إدارة “للمسار” أكثر من كونها إدارة “للتفاصيل”: ضبط الإيقاع، توحيد الانضباط، تقليص الارتجال، وترسيخ منطق المسؤولية داخل منظومة تتطلب التنسيق أكثر مما تتطلب الاستعراض.
فنجاعة الوزير الأول ـ في معناها النخبوي ـ لا تُقرأ فقط في الخطاب، بل في معمار القيادة التنفيذية:
توحيد الواجهة الحكومية بما يقلل “التشويش” الناتج عن رسائل متعارضة أو أولويات متنافسة.
تعزيز مبدأ المتابعة بحيث يصبح القرار سياسة لا إعلاناً، ويصبح البرنامج التزاماً لا تمنياً.
ترسيخ عقلانية التنسيق بين القطاعات، لأن الدولة التي لا تنسق تُبدد مواردها حتى لو كانت نواياها حسنة.
تحويل التوجيهات العليا إلى سلسلة تنفيذ تُترجم في عمل إداري ومالي وخدمي، وتُقاس بنتائج لا بتبريرات.
ولعل المفارقة الأساسية في خطاب “صراع الأجنحة” أنه يفترض ـ ضمنياً ـ أن الدولة تتحرك بغير مركز توجيه، وأن الحكومة تدار بمنطق “توازنات داخلية” أكثر مما تدار بمنطق برنامج سياسي عام. بينما التجربة المؤسسية في دول تسعى لترسيخ الاستقرار تذهب إلى العكس تماماً: الدولة حين تكون منسجمة، تسمح بقدر من النقاش الداخلي، لكنها تمنع تحول النقاش إلى انقسام في القرار. أي أنها توازن بين مرونة التداول وصرامة الحسم. وهذا هو جوهر العمل التنفيذي الرشيد: الاختلاف في الوسائل ممكن، لكن الهدف واحد، والقرار في النهاية واحد، ومسؤولية التنفيذ واحدة.
إن الأطروحات غير المؤسسة لا تضر الحكومة فقط، بل تضر “المجال العمومي” ذاته؛ لأنها تجرّه من تقييم السياسات إلى تتبع الإشاعات، ومن مساءلة النتائج إلى مطاردة النوايا. والأسوأ أنها تعطي للمعارضة ـ إن كانت تبحث عن أدوات نقد فعالة ـ نقداً سهلاً لكنه قليل الجدوى؛ لأن تفكيك الأداء الحكومي لا يتم بالحديث عن صراعات متخيلة، بل بتحليل مؤشرات الاقتصاد، جودة الخدمات، فعالية البرامج، ودرجة العدالة في التوزيع. أما حين يصبح مركز النقد هو “من يغلب من؟” بدل “ماذا تحقق؟” فإن النقاش العام يفقد قيمته المعرفية.
وعليه، فإن القراءة النخبوية المتماسكة تذهب إلى أن ما يُروَّج بوصفه “صراع أجنحة” يفتقر غالباً إلى محددات التحليل السياسي الصارم، ويتجاهل بنية الدولة الحديثة القائمة على الانسجام المؤسسي ووحدة القرار. كما أن حسن إدارة الوزير الأول المختار ولد أجاي للفريق الحكومي، في إطار توجيهات رئيس الجمهورية الواضحة، يمثل مؤشراً عملياً على أن النظام التنفيذي يتحرك وفق منطق الدولة لا وفق منطق الاصطفافات، وأن الانضباط والتنسيق والمتابعة ليست مجرد عناوين، بل أدوات لإنتاج الاستقرار وتحويل الرؤية إلى سياسة.
إن الرهان الحقيقي في موريتانيا اليوم ليس صناعة قصص عن صراعات بلا دليل، بل ترسيخ ثقافة تحليل تُقاس فيها السياسة بقدرتها على الإنجاز، وتُقاس الدولة بقدرتها على العمل كمنظومة واحدة: رؤية، قرار، تنفيذ. وفي هذا المعنى، تبدو “أسطورة صراع الأجنحة” أقل تفسيراً للواقع، وأكثر تعبيراً عن رغبة البعض في اختراع واقع بديل.
بقلم : أحمد محمد حماده
كاتب ومحلل سياسي موريتاني







