كان يمكن أن يمر الأمر بصمت، كما تمر كثير من المناورات المرتبكة، لولا أن المنصة استُخدمت بوعي كامل لتمرير رسالة واختبار ردة الفعل داخليا تجاه فكرة تعديل دستوري جديد، غايته الواضحة التمديد لا الإصلاح؛ فإعادة فتح نقاش حُسم باستفتاء شعبي صريح ليست شجاعة سياسية، بل التفاف مباشر على إرادة الجماهير، ومحاولة محسوبة لقياس مدى قابلية الناس للتطبيع مع الفكرة قبل الانتقال إلى التنفيذ. إنها، ببساطة، عملية جس نبض لقياس درجة المقاومة، لا أكثر.
واللافت أن مهمة التمهيد أُسندت إلى نائب برلماني سابق مقرب جهويا من دوائر القرار، كان قد صرح في مطلع 2019 بأن تعديل الدستور يهدد استقرار البلد ولا يخدم النظام ولا رأسه. وها هو في مطلع 2026 يدعو إلى تعديل مفصل على المقاس يسمح بالتمديد للنظام الجديد، وهو النظام الذي منحه قبل أسابيع رئاسة مجلس إدارة الشركة الوطنية لتسويق الأسماك. بين الموقفين لا يبدو أننا أمام مراجعة فكرية عميقة، بل أمام انتقال من موقع التحفظ إلى موقع التبرير.
ثم إن المسألة لا تقف عند حدود هذا التحول الفردي؛ فمعظم وزراء السيادة، وعدد من الوزراء الآخرين، والسفراء، وكثير من كبار الفاعلين السياسيين والإداريين الذين يديرون أهم مرافق الدولة، فضلا عن طبقة رجال الأعمال الجدد النافذين، ينتمون إلى الولاية نفسها التي ينتمي إليها رأس النظام، وإلى شبكة اجتماعية تنسجها الولاءات والعلاقات التقليدية وتخيطها وتوثقها المصاهرات، وهذا من أخطر ما يهيج التذمر في صفوف الجماهير، وهي ذاتها ولاية النائب الداعي للتعديل. وهنا يغدو السؤال مشروعا وملحا وهو هل نحن أمام حوار وطني مجرد، أم أمام إعادة هندسة للسلطة تُرسّخ تمركزها داخل دائرة جهوية اجتماعية ضيقة تعيد توزيع النفوذ داخل الإطار نفسه؟
والتاريخ القريب في شبه المنطقة يقدم مثالا بالغ الدلالة على خطورة هذا المسار؛ ففي سوريا، حين تماهت السلطة تدريجيا مع نخبة ارتبطت على نحو وثيق بالطائفة العلوية، لم يعد النظام مجرد جهاز حكم، بل تحول إلى بنية مغلقة تعيد إنتاج نفسها داخل الدائرة ذاتها، وأفضى ذلك إلى نمط حكم شديد التمركز. واستدعاء هذا المثال ليس من باب التشبيه الدعائي أو الإثارة، بل من باب التحذير التحليلي؛ حين يُحتكر القرار السياسي والإداري داخل نطاق اجتماعي أو جهوي محدد، ويُدعم ذلك بتعديل القواعد الدستورية لضمان الاستمرارية، فإن النتيجة غالبا تكون انسدادا سياسيا يصعب تفكيكه لاحقا إلا بكلفة باهظة على الدولة وعلى النظام الحاكم نفسه وحاضنته الاجتماعية وعلى المحتمع.
الخطر إذن ليس في النص وحده، بل في المنطق الذي يحكمه أن الدستور يُفصل عند الحاجة على مقاسات أشخاص بعينهم، وأن المبادئ قابلة للتأويل بحسب موقع المستفيد. وهنا تتكرس القاعدة المحلية التي أثبتها الواقع مرارا وهي أن المبادئ تتبدل حين تتبدل مواقع المنتفعين.
إن تحديد المأموريات في اثنتين، بأربع إلى خمس سنوات كحد أقصى، هو أفضل ما انتهت إليه التجارب الديمقراطية لوضع سقف فوق رأس السلطة التنفيذية حتى لا يتحول المنصب إلى إقامة دائمة ولا تتحول الدولة إلى رهينة أمل مؤجَّل. فالشعوب حين يُغلق أمامها أفق التداول لا يبقى أمامها سوى أفق الاضطراب؛ وتجارب الجوار العربي والإفريقي شاهدة: حرائق تخبو فتظنها انتهت، فإذا بها تعود من جديد من تحت الرماد.
أما القول إن "الشعب هو الفيصل" فعبارة جميلة ظاهريا مضللة مضمونا حين تُستدعى لتبرير فتح المأموريات؛ فهي لا تختلف عن الاستفتاءات التي استُخدمت في التجارب المعروفة لتشريع الاستمرار في الحكم باسم الإرادة الشعبية، وكان مآلها انفجار بلدانها.
إن الدعوة لتعديل الدستور هذه المرة جرت في "حفلة"، وبدأت في "حفلة،" ومآلها إن استمر المسار سيكون "ألا الحفلات"؛ ليس لأن الحشود قليلة ولا لأن التنظيم متواضع، فذلك أمر يتبع ل"المردود الديناميكي" لطاقة التمويل تارة والارتجال والارتباك تارة أخرى، بل لأن الفكرة نفسها "حفلة"؛ صخب بلا حماسة، حشد بلا مشروع، وتصفيق ميكانيكي يؤدي دور الموسيقى التصويرية في المسرحيات غير الذهنية وغير الخشبية.
وستبقى حفلة امبود ك"حفلة امبود"
عالي محمد ولد أبنو







