انعقدت الدورة العادية الثانية للمكتب السياسي لحزب الإنصاف يوم السبت 09 مايو 2026، في ظرف سياسي وتنظيمي يبدو فيه الحزب الحاكم معنيًا بإعادة ترتيب أولوياته الداخلية، وتحديث خطابه السياسي، وتعزيز حضوره التنظيمي والإعلامي. ويمكن قراءة البيان الصادر عقب الاجتماع باعتباره وثيقة سياسية وتنظيمية تعكس أولويات الحزب في هذه المرحلة، دون الذهاب إلى التهويل أو التقليل من مضامينه. فالبيان، في جوهره، يجمع بين الرسائل التنظيمية الداخلية، والمواقف السياسية العامة، ومحاولة إظهار الحزب كفاعل مواكب لقضايا الدولة والمجتمع. وعند مقارنة هذا البيان ببيانات الحزب السابقة، يُلاحظ أنه يبدو أكثر تفصيلًا واتساعًا من حيث المواضيع المطروحة، كما يحمل طابعًا تنظيميًا أوضح من كثير من البيانات السابقة التي كانت تركز أساسًا على الدعم السياسي العام لخيارات السلطة أو التفاعل مع أحداث ظرفية محددة. فالبيان الحالي منح مساحة كبيرة لقضايا إعادة الهيكلة، وتحيين الخطاب السياسي، والإعلام الحزبي، وتجديد الهيئات، وهي عناوين لم تكن تحضر دائمًا بهذا الحجم والتفصيل في الخطاب الرسمي للحزب. كما يظهر في البيان الحالي حرص أكبر على تقديم الحزب كهيئة منظمة تمتلك رؤية عمل وخططًا داخلية، وليس فقط كإطار تعبوي مساند للحكومة. ويتجلى ذلك في الحديث عن “الإطار الاستراتيجي للتمويل” و”المخطط الإعلامي” و”برنامج العمل للفترة المقبلة”، وهي لغة أقرب إلى منطق التخطيط السياسي والتنظيمي طويل المدى. على المستوى التنظيمي، يبدو واضحًا أن الحزب يضع مسألة إعادة الهيكلة وتجديد الهيئات ضمن أولوياته الحالية. الحديث عن “ضخ دماء جديدة” و”توسيع المشاركة الداخلية” و”الانضباط الحزبي” يوحي بأن القيادة تدرك الحاجة إلى تنشيط الهياكل الحزبية وتجاوز بعض مظاهر الجمود التي غالبًا ما تواجهها أحزاب السلطة بعد فترات من الاستقرار النسبي. وفي الوقت نفسه، فإن التأكيد على احترام النصوص الداخلية وعدم دعم جهات سياسية أخرى يعكس حرص الحزب على الحفاظ على تماسكه الداخلي وضبط قواعد العمل السياسي داخله. أما سياسيًا، فيحاول البيان تقديم الحزب بوصفه داعمًا لخيارات الدولة وسياسات الحكومة بقيادة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، خاصة في الملفات المتعلقة بالاستقرار، والحوار السياسي، والقدرة الشرائية، والقضايا الاجتماعية. وهذا أمر متوقع بالنسبة لحزب يشكل الواجهة السياسية للأغلبية الحاكمة، حيث يظل التنسيق مع السلطة التنفيذية جزءًا أساسيًا من دوره السياسي. ومن الملاحظ في البيان أيضًا الطابع التوافقي الكامل بين الحزب والسلطة التنفيذية، حيث بدا الحزب أقرب إلى موقع الداعم والمزكّي لسياسات الحكومة منه إلى فضاء سياسي يمارس دور التقييم أو إبداء الملاحظات تجاه الأداء العمومي. فرغم تناول البيان لعدد من الملفات المرتبطة بالوضع المعيشي والخدمات الأساسية والحدود والقدرة الشرائية، فإنه خلا تقريبًا من أي إشارات إلى جوانب القصور أو التحديات التي قد تواجه السياسات الحكومية في هذه المجالات، كما لم يتضمن توصيات أو مقترحات عملية موجّهة للحكومة لتحسين الأداء أو معالجة الاختلالات القائمة. وقد يُفهم ذلك في سياق طبيعة العلاقة التقليدية بين أحزاب السلطة والسلطة التنفيذية في موريتانيا، حيث يغلب منطق المساندة السياسية على منطق الرقابة أو النقد الداخلي، وهو ما يجعل الخطاب الحزبي في كثير من الأحيان أقرب إلى التعبير عن الانسجام مع توجهات الدولة منه إلى ممارسة دور سياسي مستقل يمتلك هامشًا واضحًا للتقييم والمساءلة. ويطرح البيان، بصورة غير مباشرة، النقاش التقليدي المرتبط بطبيعة العلاقة بين الحزب الحاكم والجهاز التنفيذي، ومدى الحاجة إلى وجود مسافة سياسية ومؤسساتية واضحة بينهما. فالحزب، حتى عندما يكون داعمًا للأغلبية الحاكمة، يُفترض أن يحتفظ بهامش يسمح له بمتابعة السياسات العمومية وتقييم أدائها ونقل انشغالات قواعده والرأي العام إلى دوائر القرار، بدل الاكتفاء بدور المساندة والتزكية. كما أن وجود خط فاصل بين العمل الحزبي والعمل الحكومي يساهم عادة في تعزيز حيوية الحياة السياسية، ويمنح الحزب قدرة أكبر على تطوير رؤيته وبرامجه بشكل مستقل، ويجنب في الوقت نفسه الخلط بين مؤسسات الدولة والهياكل الحزبية. وفي كثير من التجارب السياسية، يشكل هذا التوازن أحد عوامل استمرارية الأحزاب وقدرتها على التأقلم، حتى في فترات التحولات أو تغير موازين القوة داخل السلطة. وفي المقابل، يلاحظ أن البيان لم يذهب نحو خطاب تصعيدي تجاه المعارضة أو الخصوم السياسيين، بل حافظ على لغة هادئة نسبيًا، مع التأكيد على الحوار الوطني والانفتاح السياسي ورفض خطاب الكراهية. ويمكن اعتبار ذلك محاولة لتكريس صورة الحزب كطرف يدعم التهدئة والاستقرار في ظرف إقليمي ودولي يتسم بحساسية متزايدة. كما أن إدراج ملفات مثل المياه والأعلاف والحرائق والحدود ضمن النقاشات يعكس سعي الحزب إلى إظهار اهتمامه بالقضايا المعيشية والأمنية التي تشغل الرأي العام، وعدم الاكتفاء بالقضايا السياسية والتنظيمية البحتة. وهي نقطة تمنح البيان طابعًا عمليًا يرتبط بانشغالات المواطنين اليومية. ومن زاوية أخرى، حافظ البيان الحالي، كما في البيانات السابقة، على التركيز على الإشادة بالاستقرار والإنجازات والحوار الوطني، مع غياب أي إشارات إلى مواطن التعثر أو الاختلالات التي تثيرها أحيانًا النقاشات السياسية أو الاجتماعية في البلاد. كما اتسمت لغته بقدر من الهدوء السياسي والابتعاد عن السجال المباشر مع المعارضة، مع التركيز على “التهدئة” و”الانفتاح” و”خطاب المسؤولية”، وهو ما يعكس استمرار النهج السياسي العام المرتبط بمرحلة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني. بصورة عامة، يمكن القول إن بيان اليوم لا يمثل قطيعة مع الخط السياسي السابق للحزب، بقدر ما يعكس محاولة لتطوير الشكل التنظيمي والخطابي للحزب، مع الحفاظ على جوهر دوره التقليدي كحزب داعم للسلطة ومواكب لسياسات الدولة. كما يعكس رغبة الحزب في تعزيز تماسكه الداخلي، وتطوير أدواته الإعلامية والسياسية، وتثبيت حضوره كحزب داعم للاستقرار والحوار، مع إظهار قدر أكبر من القرب من القضايا اليومية للمواطنين. ويبقى تقييم نجاح هذه التوجهات مرتبطًا بمدى انعكاسها عمليًا على أداء الحزب في الميدان، وعلى قدرته في الحفاظ على حيويته السياسية والتنظيمية خلال المرحلة المقبلة.
بقلم احمد محمد حماده كاتب و محلل سياسي







