تشهد السياسة الخارجية الموريتانية في السنوات الأخيرة ديناميكية متزايدة تعكس تفاعلاً مستمراً مع التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة، خاصة في ظل تصاعد التحديات الأمنية في منطقة الساحل، وتزايد التنافس الدولي على النفوذ في إفريقيا، وإعادة تشكل موازين القوة في النظام الدولي. وفي هذا السياق، تأتي التعيينات الدبلوماسية الأخيرة التي أجراها الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني لتطرح مؤشرات مهمة حول طبيعة توجه الدبلوماسية الموريتانية، وحدود استمراريتها في خياراتها التقليدية، ومدى انخراطها في مسار التكيف مع المتغيرات الجيوسياسية الراهنة.
ولا يمكن قراءة هذه التغييرات بوصفها مجرد إجراء إداري لسد الشغور في المناصب الدبلوماسية، بل باعتبارها جزءاً من إعادة ترتيب أولويات السياسة الخارجية للدولة، ومحاولة لإعادة تموضع موريتانيا داخل محيطها الإفريقي والعربي والدولي وفق مقاربة تجمع بين الحفاظ على الاستقرار الاستراتيجي والتكيف مع التحولات الدولية. ومن هذا المنطلق، تسعى هذه القراءة إلى تحليل دلالات التعيينات الدبلوماسية الجديدة، واستجلاء سياقاتها السياسية والاستراتيجية، ومقارنتها بالتوجهات التي طبعت التعيينات السابقة خلال عهد الرئيس محمد ولد الغزواني.
وانطلاقاً من هذا الإطار العام، تكتسب التعيينات الدبلوماسية الأخيرة أهميتها بوصفها مؤشراً عملياً على توجهات السياسة الخارجية الموريتانية في المرحلة الراهنة، بما تعكسه من إعادة توزيع للحضور الدبلوماسي في عواصم استراتيجية ومنظمات دولية مؤثرة. كما تتيح هذه التغييرات قراءة أولويات الدولة في إدارة علاقاتها الخارجية، سواء على مستوى تعزيز الدبلوماسية متعددة الأطراف، أو ترسيخ العمق الإفريقي، أو تنويع الشراكات الدولية. ويقتضي فهم هذه الدلالات الوقوف عند طبيعة هذه التعيينات وسياقاتها، ثم مقارنتها بالتوجهات التي ميزت التعيينات الدبلوماسية السابقة خلال عهد الرئيس محمد ولد الغزواني، بما يسمح بتحديد حدود الاستمرارية ومظاهر التحول في الدبلوماسية الموريتانية.
تشير التعيينات الأخيرة إلى توجه واضح نحو تعزيز حضور موريتانيا في الدبلوماسية متعددة الأطراف، كما يعكسه الاهتمام بالتمثيل لدى الأمم المتحدة، وهو ما يرتبط بملفات إقليمية ودولية حساسة تشمل الأمن في منطقة الساحل، والهجرة غير النظامية، وقضايا التنمية والاستقرار. ويعكس هذا التوجه إدراكاً متزايداً لأهمية المؤسسات الدولية في إدارة التحديات العابرة للحدود وتعزيز حضور الدولة داخل المنظومة الدولية.
كما تعكس التعيينات في عدد من الدول الإفريقية، خصوصاً في فضاء غرب إفريقيا والساحل، استمرار تركيز السياسة الخارجية الموريتانية على العمق الإفريقي باعتباره المجال الحيوي للأمن القومي والاستقرار الداخلي. ويكتسب هذا التوجه أهمية خاصة في ظل التحولات الأمنية المتسارعة في منطقة الساحل، وتصاعد التهديدات المرتبطة بالإرهاب والجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية، إضافة إلى تنامي التنافس الدولي على النفوذ داخل القارة الإفريقية. ويؤكد هذا المسار حرص موريتانيا على تعزيز التنسيق الإقليمي وتطوير الشراكات الأمنية والاقتصادية مع محيطها المباشر.
وفي المقابل، تعكس التعيينات في عدد من العواصم الدولية المؤثرة توجهاً نحو تنويع الشراكات الدولية وتعزيز الدبلوماسية الاقتصادية، بما ينسجم مع التحولات التي يشهدها النظام الدولي نحو تعددية الأقطاب. ويشير هذا التوجه إلى سعي موريتانيا إلى تحقيق توازن في علاقاتها الخارجية، وتوسيع فرص التعاون الاقتصادي والتقني والاستثماري، بما يدعم أهداف التنمية الوطنية ويعزز حضورها في الاقتصاد العالمي.
أما التعيينات في الفضاء العربي، فتؤكد استمرار البعد العربي في السياسة الخارجية الموريتانية، سواء من زاوية الاعتبارات الأمنية المرتبطة بالاستقرار الإقليمي، أو من حيث العلاقات الاقتصادية والدينية والثقافية. ويعكس ذلك حرص موريتانيا على الحفاظ على توازن في دوائر انتمائها الاستراتيجية بين محيطها الإفريقي والعربي والدولي.
ويلاحظ في هذه التعيينات، كما في تعيينات سابقة خلال عهد الرئيس محمد ولد الغزواني، الاعتماد على شخصيات سياسية ووزارية سابقة في عدد من المناصب الدبلوماسية، وهو ما يعكس تصوراً للدبلوماسية باعتبارها امتداداً مباشراً للقرار السياسي وأداة لتنفيذ التوجهات الاستراتيجية للدولة. كما يشير هذا النمط إلى استمرار توظيف المناصب الدبلوماسية ضمن آليات إعادة توزيع النخب وتعزيز الانسجام بين السياسة الداخلية والخارجية.
وعند مقارنة هذه التغييرات بالتعيينات الدبلوماسية التي شهدتها السنوات الأولى من حكم الرئيس غزواني منذ عام 2019، تبرز عناصر استمرارية واضحة في توجه السياسة الخارجية الموريتانية. فقد اتسمت التعيينات السابقة بالتركيز على المحيط الإفريقي باعتباره مجالاً حيوياً للأمن والاستقرار، حيث حافظت موريتانيا على حضور دبلوماسي نشط في دول الساحل وغرب إفريقيا في إطار استراتيجية تهدف إلى حماية الحدود وتعزيز التعاون الإقليمي في مواجهة التهديدات المشتركة.
كما اتسمت التعيينات السابقة باعتماد مقاربة تقوم على التوازن في العلاقات الدولية، إذ حرصت موريتانيا على الحفاظ على علاقات متوازنة مع مختلف الشركاء الدوليين، مع تجنب الانخراط في محاور متصارعة، وهو توجه يعكس سياسة خارجية براغماتية تسعى إلى تحقيق المصالح الوطنية في بيئة دولية معقدة.
وشهدت التعيينات السابقة كذلك حضوراً بارزاً للشخصيات السياسية في المناصب الدبلوماسية الحساسة، بما يعكس الطابع السياسي للدبلوماسية الموريتانية خلال هذه المرحلة، ويؤكد استمرار الربط بين السياسة الخارجية وإدارة التوازنات الداخلية.
غير أن التعيينات الأخيرة تظهر في المقابل بعض عناصر التطور مقارنة بالتعيينات السابقة، من أبرزها اتساع نطاق الاهتمام بالدبلوماسية الاقتصادية والتكنولوجية، وتعزيز الحضور في بعض الفضاءات الدولية الجديدة، إضافة إلى تزايد أهمية الدبلوماسية متعددة الأطراف في ظل التحولات الجيوسياسية الراهنة، وهو ما يعكس تكيّف السياسة الخارجية الموريتانية مع المتغيرات الدولية.
ويمكن فهم هذه التغييرات ضمن سياق أوسع يتمثل في التحولات التي تشهدها منطقة الساحل، وتصاعد التنافس الدولي في إفريقيا، وتزايد الترابط بين قضايا الأمن والتنمية والهجرة. فالدبلوماسية الموريتانية في عهد الرئيس محمد ولد الغزواني تبدو متجهة نحو نموذج يقوم على الربط بين الأمن الإقليمي والتنمية الاقتصادية، وتعزيز الحضور الدولي، وتنويع الشراكات، مع الحفاظ على الاستقرار الداخلي بوصفه أولوية استراتيجية.
وتكشف هذه التعيينات في مجملها عن مزيج من الاستمرارية والتكيف في السياسة الخارجية الموريتانية، حيث تؤكد استمرار الأولويات التقليدية المرتبطة بالأمن الإقليمي والتوازن الدولي، مع إدخال تعديلات تعكس التحولات في البيئة الدولية والإقليمية. وبذلك يمكن النظر إلى هذه التغييرات باعتبارها جزءاً من مسار إعادة تموضع تدريجي للدبلوماسية الموريتانية يهدف إلى تعزيز حضور الدولة إقليمياً ودولياً ومواكبة التحولات الجيوسياسية المتسارعة ضمن مقاربة تجمع بين الواقعية السياسية والانفتاح الاستراتيجي.
بقلم: أحمد محمد حماده — كاتب ومحلل سياسي







