يشكّل شهر رمضان في المجتمع الموريتاني موسماً إيمانياً عظيماً تتجلى فيه قيم التدين والتضامن والتراحم، غير أن هذا الموسم الروحي يتحول في كثير من الأحيان، في واقعنا الاجتماعي، إلى مناسبة يطغى عليها الاستهلاك المفرط والتفاخر الاجتماعي، في مفارقة واضحة مع المقاصد الحقيقية للصيام وروحه التربوية.
وقد بيّن القرآن الكريم الغاية الكبرى من الصيام بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 183)، فجعل التقوى مقصد هذه العبادة وغايتها. فالصيام لم يُشرع ليكون امتناعاً مؤقتاً عن الطعام يعقبه إفراط في الاستهلاك، ولا مناسبة لإظهار الوجاهة الاجتماعية عبر كثرة الأطباق وتنوع الموائد، بل هو مدرسة لتزكية النفس وكبح الشهوات وترسيخ قيم الاعتدال والانضباط.
إن جوهر الصيام يقوم على تهذيب علاقة الإنسان بالمادة، لا تعميق التعلق بها، وعلى تعزيز الشعور بمعاناة المحتاجين، لا توسيع الفوارق الاجتماعية. وقد أكد النبي ﷺ هذا المعنى بقوله: «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه» (رواه البخاري)، في إشارة واضحة إلى أن الصيام سلوك أخلاقي شامل، لا مجرد امتناع جسدي.
غير أن ما نشهده في كثير من مظاهر رمضان في مجتمعنا يعكس تحولاً مقلقاً في فهم هذه الشعيرة؛ حيث تتضاعف نفقات الأسر بشكل لافت، وتتحول موائد الإفطار إلى ساحة للتنافس الاجتماعي، وتُمارَس ضغوط ضمنية على الأسر محدودة الدخل لمجاراة أنماط استهلاكية تفوق قدرتها. ويُقدَّم هذا السلوك أحياناً تحت شعار الكرم والضيافة، بينما هو في حقيقته يبتعد عن روح الاعتدال التي دعا إليها الإسلام.
وقد حذّر القرآن الكريم بوضوح من الإسراف والتبذير، فقال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (الأعراف: 31)، وقال أيضاً: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ (الإسراء: 26–27). فالإسلام يربط الكرم بالاعتدال، ويجعل التوازن في الإنفاق قيمة أخلاقية لا مجرد خيار اقتصادي.
إن الكرم في قيم الإسلام لا يُقاس بحجم الإنفاق ولا بكثرة الطعام، بل بصدق النية وحسن القصد ومراعاة حاجات المجتمع. وقد قال رسول الله ﷺ: «كلوا واشربوا وتصدقوا والبسوا ما لم يخالطه إسراف ولا مخيلة» (رواه النسائي)، في تأكيد واضح على أن الاعتدال أصل في سلوك المسلم.
إن رمضان في جوهره دعوة إلى التضامن الحقيقي، وإلى استشعار معاناة الفقراء والمحتاجين، وإلى بناء مجتمع أكثر توازناً وعدلاً. وقد جعل الإسلام إطعام المحتاجين من أعظم القربات، قال تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ (الإنسان: 8)، كما قال النبي ﷺ: «من فطّر صائماً كان له مثل أجره غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيء» (رواه الترمذي). وهذا هو البعد الحقيقي للتكافل الذي يريده الإسلام: تضامن صادق لا استعراض اجتماعي.
والمجتمع الموريتاني، بما يمتلكه من رصيد ديني وثقافي عميق في التكافل والتراحم، قادر على استعادة هذه القيم الأصيلة إذا تحرر من ثقافة الاستهلاك المفرط ومن الضغوط الاجتماعية المرتبطة بالمظاهر.
ومن هنا تبرز مسؤولية جماعية لا تقتصر على الأفراد وحدهم، بل تشمل العلماء والدعاة والأئمة والنخب الفكرية والإعلامية. فالدعاة والأئمة، باعتبارهم صوت التوجيه في المجتمع، مطالبون بتجديد الخطاب الديني في رمضان، والانتقال من التركيز على مظاهر العبادة إلى ترسيخ وعي الناس بمقاصدها الأخلاقية والاجتماعية، وتصحيح المفاهيم التي تربط الكرم بالإسراف، وبيان أن التبذير يناقض روح الصيام ويقوض حكمته.
فالمسجد في موريتانيا ظل تاريخياً مؤسسة للإصلاح والتوجيه، ودوره اليوم يتطلب مواجهة هذه الاختلالات الاجتماعية بوضوح ومسؤولية، عبر نشر ثقافة الاعتدال وترشيد الإنفاق وتعزيز قيم التكافل الحقيقي. ولا يقتصر هذا الدور على الوعظ النظري، بل يتطلب تقديم نموذج عملي في البساطة والاعتدال والسلوك القويم، اقتداءً بقول الله تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (الأحزاب: 21).
كما أن الأسرة الموريتانية مدعوة إلى مراجعة أنماطها الاستهلاكية، وتربية الأبناء على فهم الصيام باعتباره تجربة أخلاقية وتربوية، لا موسماً للترف والإفراط. فالتغيير الحقيقي يبدأ من الوعي الفردي ويتحول إلى سلوك جماعي يصنع ثقافة مجتمعية جديدة.
إن التحدي الذي يواجه مجتمعنا اليوم ليس في أداء شعيرة الصيام شكلياً، بل في تحقيق مقاصدها عملياً. فإما أن يكون رمضان مدرسة لإصلاح السلوك وبناء الإنسان وترسيخ قيم العدل والتكافل، وإما أن يتحول إلى موسم للاستهلاك والتفاخر يفقد فيه الصيام جوهره التربوي ومعناه الأخلاقي.
إنها لحظة مراجعة جماعية لوعينا الديني وسلوكنا الاجتماعي، وفرصة لإعادة الاعتبار لروح الصيام ومقاصده، حتى يظل رمضان في موريتانيا موسماً للتزكية والإصلاح والتضامن، لا مناسبة للإسراف والمظاهر.
فالصيام ليس موسماً للاستهلاك، بل مدرسة للروح… وليس مجالاً للتفاخر، بل طريقاً للإصلاح.
بقلم احمد محمد حماده
كاتب و محلل سياسي







