#مقالات : الحوار السياسي المرتقب في موريتانيا: من الجدل حول المأموريات إلى أولويات الدولة والمجتمع.

بواسطة محمد عبدالله بيباه

#مقالات : الحوار السياسي المرتقب في موريتانيا: من الجدل حول المأموريات إلى أولويات الدولة والمجتمع.

بقلم : الدكتور الشيخ سيداتي أحمد مولود

على أعتاب الحوار السياسي المرتقب، الذي دعا إليه رئيس الجمهورية وبدأت التحضيرات له منذ فترة، تبرز الحاجة إلى نقاش وطني جاد حول طبيعة القضايا التي ينبغي أن تتصدر جدول أعماله، والأهداف التي يُفترض أن يحققها، والمعايير التي يمكن من خلالها قياس نجاحه.

إن الحوار السياسي، في جوهره، ليس مجرد مناسبة لإدارة الخلافات بين الفاعلين السياسيين، ولا منصة لتبادل المواقف وتسجيل النقاط، بل هو فرصة لإعادة ترتيب الأولويات الوطنية، وتشخيص الاختلالات البنيوية، وبناء توافقات حول الإصلاحات الضرورية لضمان استقرار الدولة وتقدم المجتمع.

ومن هذا المنطلق، فإن اختزال النقاش العام في مسألة المأمورية الثالثة، سواء تأييدها أو رفضها، من شأنه أن يصرف الاهتمام عن قضايا أكثر اتصالًا بالحياة اليومية للمواطنين وبمستقبل الدولة والمجتمع. فالمسألة الدستورية، على أهميتها، ينبغي ألا تتحول إلى القضية الوحيدة التي تستحوذ على الحوار، أو إلى إطار يحجب بقية التحديات الوطنية. كما أن القول بانشغال غالبية المواطنين بقضايا المعيشة والخدمات لا ينبغي أن يكون ذريعة لتهميش النقاش الدستوري، وإنما دعوة إلى وضع مختلف القضايا في سياقها المتوازن، وفقًا لأهميتها الوطنية والاجتماعية.

وفي تقديري، فإن الحوار المرتقب ينبغي أن يمنح الأولوية للمحاور الآتية:

أولًا: إصلاح الحكامة الحكومية وتطوير أداء الإدارة العمومية

وذلك من خلال تعزيز فعالية العمل الحكومي، وترسيخ مبدأ المسؤولية والمساءلة، وتحسين التنسيق بين القطاعات، وتطوير الخدمات العمومية، ومحاربة البيروقراطية وسوء الإدارة، وربط تولي المسؤوليات العمومية بالكفاءة والقدرة على الإنجاز، بدل الاكتفاء بتغيير الأشخاص دون مراجعة آليات العمل وأدوات التقييم.

ثانيًا: تعزيز الوحدة الوطنية وترسيخ المواطنة المتساوية
لا تنمية مستدامة دون تماسك اجتماعي، ولا استقرار حقيقي دون شعور جميع المواطنين بالانتماء المتساوي إلى الدولة. وهو ما يقتضي معالجة الاختلالات التي تمس تكافؤ الفرص، وتعزيز العدالة الاجتماعية والمجالية، وترسيخ الثقة بين مكونات المجتمع، وتطوير سياسات الإدماج والإنصاف، بعيدًا عن التوظيف السياسي للقضايا الوطنية الحساسة.

ثالثًا: مكافحة الفساد وتعزيز النزاهة والشفافية، 
إن تحقيق هذه النقطة يتطلب لانتقال من الخطاب العام حول محاربة الفساد إلى بناء منظومة مؤسسية فعالة للوقاية منه وكشفه ومساءلة المسؤولين عنه، وتعزيز استقلالية وفعالية أجهزة الرقابة، وترسيخ الشفافية في تسيير الموارد العمومية والصفقات العمومية، وضمان تطبيق القانون على الجميع دون انتقائية أو استثناء.

رابعًا: معالجة البطالة وتحديات التشغيل
لا يمكن الحديث عن الاستقرار الاجتماعي في ظل استمرار صعوبات الولوج إلى سوق العمل، خصوصًا لدى الشباب والخريجين. ويقتضي ذلك مراجعة سياسات التشغيل والتكوين، وتحسين المواءمة بين مخرجات التعليم واحتياجات الاقتصاد، وتشجيع المبادرة الخاصة والاستثمار المنتج، وتوسيع فرص العمل على أسس الكفاءة وتكافؤ الفرص.

خامسًا: مواجهة التضخم وتدهور القدرة الشرائية
من خلال البحث عن حلول عملية لارتفاع الأسعار، وتحسين فعالية السياسات الاجتماعية، وتعزيز الرقابة على الأسواق وفق القانون، وتطوير آليات حماية الفئات الهشة، ومراجعة مدى استجابة السياسات الاقتصادية والاجتماعية للضغوط التي تواجه الأسر، بما يجعل تحسين الظروف المعيشية هدفًا قابلًا للقياس والتقييم.

سادسًا: تعزيز المكتسبات الديمقراطية وتطوير الممارسة السياسية ترتكز هذه النقطة على صيانة التعددية السياسية، وتكريس التنافس النزيه، وتعزيز الضمانات القانونية لممارسة الحريات العامة، وترسيخ استقلال القضاء وسيادة القانون، وتطوير آليات الرقابة والمساءلة، وضمان انتظام المؤسسات الدستورية واحترام قواعد التداول على السلطة وفق الأحكام الدستورية.

سابعًا: إصلاح منظومة التعليم والصحة والخدمات الأساسية
إن جودة هذه الخدمات ليست مسألة قطاعية فحسب، بل معيار أساسي لمدى قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها تجاه المواطنين. ومن ثم، فإن الحوار مدعو إلى مناقشة إصلاحات عملية تتعلق بجودة التعليم، وفعالية المنظومة الصحية، وتوسيع التغطية بالخدمات الأساسية، وتحقيق قدر أكبر من العدالة في توزيعها بين مختلف مناطق البلاد.

ثامنًا: ضمان تنفيذ مخرجات الحوار ومتابعتها
التوافق السياسي، مهما اتسع، يظل محدود الأثر إذا لم يتحول إلى التزامات واضحة، وبرامج محددة، وآجال زمنية معقولة، وآليات مؤسسية للمتابعة والتقييم. ولذلك، فإن من الضروري أن يحدد الحوار طبيعة مخرجاته، والجهات المسؤولة عن تنفيذها، والوسائل الكفيلة بقياس التقدم المحرز بشأنها.

إن هذه الأولويات لا تعني التقليل من أهمية القضايا الدستورية أو الخلافات السياسية، وإنما تعني وضعها ضمن رؤية وطنية أشمل، تجعل الحوار وسيلة للإصلاح المؤسسي والاجتماعي، لا مجرد ساحة للصراع حول ترتيبات السلطة.

كما أن نجاح الحوار لا يُقاس بمجرد انعقاده، ولا بعدد الأطراف المشاركة فيه، ولا بحجم التوافقات المعلنة عند اختتامه، وإنما بقدرته على إنتاج حلول واقعية، وتعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع، وتطوير الممارسة الديمقراطية، وتحسين حياة المواطنين.

إن موريتانيا تحتاج إلى حوار يطرح الأسئلة الصعبة بشأن أداء الحكومة، وفعالية الإدارة، ومكافحة الفساد، والوحدة الوطنية، والبطالة، والقدرة الشرائية، ومستقبل الديمقراطية؛ لا إلى حوار تختزل رهاناته في سؤال واحد، مهما بلغت أهميته السياسية.**

فالمأمورية ليست القضية الوحيدة للوطن، كما أن معالجة القضايا المعيشية لا تُغني عن صيانة الضمانات الدستورية. والتحدي الحقيقي هو بناء توافق وطني متوازن يجمع بين استقرار المؤسسات، وجودة الحكم، والعدالة الاجتماعية، والحقوق والحريات، ويضع مصلحة موريتانيا ومواطنيها في صدارة الأولويات.

تلك هي، في تقديري، القيمة المنتظرة من الحوار المرتقب، وتلك هي المسؤولية التاريخية الملقاة على عاتق جميع المشاركين فيه.