عُثمان ادِيَاكانَا: من كاتَّانكا-كهيدي إلى قِمَم العالم، قِصة رجل لم ينسَ أبدًا من أين أتى

بواسطة محمد محمد الأمين

عثمان ادِيَاكانَا، نائب رئيس البنك الدولي- من المدرسة العمومية في كهيدي إلى البنك الدولي: مسار تميز قائم على التعليم والقيم الأسرية وروح الخدمة

لفهم مسار عثمان ادِيَاكانَا، علينا أن نعود إلى كاتَّانكغا-كهيدي، حيث بدأ كل شيء. قبل واشنطن، وقبل المسؤوليات الدولية الكبرى وقاعات اتخاذ القرار في البنك الدولي، كان هناك طفل ومدرسة وأسرة وتربية شكّلت أساس مسار استثنائي.

ينحدر عثمان ادِيَاكانَا من كهيدي، وهو اليوم نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة غرب ووسط إفريقيا. وهو يجسد نجاحًا يتجاوز بكثير الألقاب والمناصب. يجمع مساره بين الكفاءة والعمل والتحفظ والتعلق بالجذور والإحساس بالمسؤولية.

وهو اليوم ينسق علاقات البنك الدولي مع 22 دولة، ويشرف على محفظة تنمية تتجاوز 57 مليار دولار. لكن وراء هذا البُعد الدولي تظل هناك قصة متجذرة بعمق في أرض موريتانيا، وفي قيم بسيطة: أن تتعلم، وأن تعمل، وأن تحترم، وأن تخدم.

من كاتنكا-كهيدي إلى واشنطن

في كاتانكا-كهيدي كُتب جزء أساسي من هذه القصة. فقد تابع عثمان ادِيَاكانَا دراسته القرآنية، ثم دراسته الابتدائية والثانوية هناك. وتلقى أولى الدروس التي رافقته في مساره الفكري والإنساني.

هذه المرحلة حاسمة. فعثمان ادِيَاكانَا هو نتاج خالص للمدرسة العمومية الموريتانية، تلك المدرسة التي كان فيها كل من الاستحقاق والعمل والاجتهاد كفيل بفتح أبواب النجاح، بغض النظر عن ظروف البداية وواقع الوسط الذي ينشأ فيه الإنسان. وتُذكّرنا قصته بأن التميز يمكن أن يولد بعيدًا عن العواصم ومراكز القرار الكبرى.

بعد هذا التكوين الأول، تابع دراساته في الاقتصاد والمالية والتخطيط، قبل أن يتخصص في سياسات التعليم. وفي عام 1992 التحق بالبنك الدولي وبدأ مسارًا مهنيًا قاده تدريجيًا من المسؤوليات الميدانية إلى أعلى مستويات الإدارة الدولية.

وعلى مر السنوات عمل في عدة دول، منها المغرب والنيجر ومالي وكوت ديفوار وبوركينا فاسو والبنين وغينيا وتوغو واليمن. وأتاحت له هذه التجارب المتنوعة فهم الواقع الاقتصادي والاجتماعي والمؤسساتي لمجتمعات مختلفة، وبناء خبرة معترف بها على الصعيد الدولي.

ثم تقلد عدة مسؤوليات كبرى، منها نائب الرئيس المكلف بالأخلاقيات والتقيد بالمعايير، ثم نائب الرئيس المكلف بالموارد البشرية، قبل أن يُعين في يوليو 2020 نائبًا لرئيس البنك الدولي لمنطقة غرب ووسط إفريقيا.

هذا الصعود هو في المقام الأول تقدم قائم على الاستحقاق والكفاءة والثبات. وهو يُظهر أن المسار المهني الكبير يُبنى أقل بالمختصرات وأكثر بالتراكم الصبور للمعرفة والخبرة والمصداقية.

مدرسة، وأسرة، وقيم

لكن المدرسة لا تفسر كل شيء. فقد تشكل جزء أساسي من شخصيته أيضًا في الإطار الأسري.

كان والداه معروفين بتواضعهما وكرمهما وحبهما للناس. وكان بيتهما مفتوحًا للجميع. فالغريب والمجهول وصديق العبور أو صديق أبنائهما كانوا يُستقبلون بنفس الاهتمام.

كانا يوفران المأوى والطعام للغريب كما للمجهول، ولأصدقاء ذريتهما كما لو كانوا أبناءهما. وهذه الضيافة التي عاشاها بشكل طبيعي يوميًا، كانت تعبر عن تصور للحياة قائم على المشاركة والكرم والاحترام وحب الآخر.

وكانت النصائح التي نقلاها إلى الأبناء على صورة هذه التربية: أن تبقى متواضعًا، وأن تحترم الآخرين، وألا تنسى أبدًا أصلك، وأن تعمل بجد، وأن تعتبر النجاح مسؤولية وليس امتيازًا.

فليس من المستغرب إذن أن نجد لدى الرجل الذي وصل إلى قمة مؤسسة دولية كبرى ذلك التحفظ وهذه البساطة التي يبدو أنها اجتازت مختلف مراحل مساره.

وهكذا يصبح التواضع أكثر من مجرد صفة: إنه قوة حقيقية.

نجاح يُلهم

لا تقتصر وطنية عثمان ادِيَاكانَا على التصريحات. بل تتجلى أيضًا في الطريقة التي يحمل بها صورة بلده وقارته في الفضاءات الدولية التي يمارس فيها مسؤولياته.

ومن خلال مساره تُعبَّر صورة أخرى عن موريتانيا: صورة بلد قادر على تكوين اقتصاديين ومفكرين وقادة بمستوى عالمي.

كما أن تعلقه بإفريقيا والساحل يمنح التزامَه المهني عمقًا خاصًا. فالسياسات التي يدافع عنها تمس مباشرة القضايا التي تحدد مستقبل ملايين الأفارقة: التعليم، ورأس المال البشري، والتشغيل، وتمكين النساء والشباب، وتنمية القطاع الخاص، والبنية التحتية، والأمن الغذائي والمائي، وكذلك القدرة على الصمود في مواجهة تغير المناخ.

ووراء المليارات من الدولارات والبرامج والإحصائيات، هناك دائمًا بشر. فالمدرسة تمثل طفلاً. والوظيفة تعني أسرة يمكنها أن تعيش بكرامة. والبنية التحتية يمكن أن تغير الحياة اليومية لمجتمع.

وهذا التصور الإنساني العميق للتنمية هو الذي يمنح مسؤوليته الدولية كل معناها.

كما أن الإيمان ينتمي إلى هذا البُعد الأكثر حميمية للرجل. ويستحق أن يُذكر بتحفظ. فالتربية الدينية التي تلقاها منذ الطفولة، مقترنة بالقيم الأسرية المتمثلة في التواضع والاحترام والتضامن، يمكن أن تساهم في تفسير هذا التحفظ وهذا الاهتمام بالآخر.

فالتقوى الحقيقية لا تقاس بالضجيج الذي تحدثه، بل بالطريقة التي تترجم بها في السلوك.

وينبغي أن يكون مسار عثمان ادِيَاكانَا مصدر إلهام لشباب موريتانيا، ليس فقط لأنه أصبح نائب رئيس البنك الدولي، بل أساسًا لأنه يثبت أن مسار التميز يمكن أن يبدأ في مدرسة عمومية في كهيدي ويقود إلى أعلى مستويات المؤسسات الدولية.

وتسلط قصته الضوء على قوة التعليم والانضباط والعمل والمثابرة.

كما أن إتقانه لعدة لغات — الفرنسية والإنجليزية والعربية والسوننكية والبولارية والولوفية — يُظهر أيضًا أهمية الانفتاح الثقافي واللغوي في عالم أصبحت فيه الحدود المهنية أقل صرامة.

وهكذا يوجه مساره رسالة قوية بشكل خاص إلى الشباب الموريتاني: ليس من الضروري أن تولد في مراكز السلطة الكبرى لتحلم كبيرًا. فالأهم هو أن تبني كفاءاتك بصبر، وأن تؤمن بالعمل، وأن تبقى وفيًا للقيم التي تعطي معنى للنجاح.

وفي عام 2009، حصل عثمان ادِيَاكانَا على جائزة "المدير الجيد" من جمعية موظفي مجموعة البنك الدولي، تقديرًا لصفاته القيادية. وهذه الجائزة دالة: فالاعتراف من زملاء العمل غالبًا ما يكون أكثر دلالة من لقب مرموق.

القمة لا شيء بدون الجذور

اختزال عثمان ادِيَاكانَا في لقبه كنائب رئيس البنك الدولي يعني إغفال جوهر الأمر.

قبل المسؤول الدولي الرفيع، هناك طفل كاتانكا، وتلميذ المدرسة العمومية الموريتانية، والشاب الذي تكون في مدينته، وابن أسرة متعلقة بالتواضع والضيافة وحب الآخر.

وهذا الاستمرار هو ما يجعل مساره متميزًا بشكل خاص.

من كهيدي إلى واشنطن، يُظهر مساره أن النجاح الفردي يمكن أن يصبح فخرًا جماعيًا عندما يُبنى على العلم والاستحقاق والخدمة.

وهو يُذكّر قبل كل شيء بأن الصعود الحقيقي لا يتمثل فقط في الذهاب إلى الأعلى. بل يتمثل في التقدم دون أن تفقد ما شكلك.

يمكنك أن تنطلق من كاتانكا-كهيدي، وأن تصل إلى قمم البنك الدولي، وأن يكون العالم ميدان عملك، دون أن تنسى أبدًا البيت العائلي، ومقاعد الدراسة، ونصائح الوالدين، والأرض التي شهدت نشأتك.

لأن القمة الحقيقية ليست حيث تصل، بل حيث تنجح في أن تبقى على طبيعتك. وعظمة عثمان ادِيَاكانَا تكمن أيضًا في هذا: في أنه جاب العالم دون أن يفقد الصلة بكاتانكا، وبأسرته، وبالقيم التي رافقت خطواته الأولى.

*تانديا موسى*  
رئيس تحرير القسم الفرنسي لإذاعة موريتانيا