النيجر على طريق النفط: بين درس موريتانيا ورهان السنغال

بواسطة وكالة الإعلام …

أحيانًا لا يكون الخبر في حد ذاته هو المهم، بقدر ما تثيره تفاصيله من أسئلة. وهذا ما يجعل مشروع المصفاة الذي تعتزم النيجر إقامته في دوسو جديرًا بالتوقف عنده. فالمسألة لا تتعلق فقط بمصفاة تبلغ طاقتها 100 ألف برميل يوميًا، ولا باستثمار يقترب من 1.9 مليار دولار، وإنما بطموح بلد يريد أن يغير موقعه في الخريطة النفطية لغرب إفريقيا، وأن ينتقل من مجرد استخراج الخام وتصديره إلى محاولة تصنيعه والاستفادة من جزء أكبر من قيمته داخل البلاد.

بحسب الاتفاق المعلن، ستضم المصفاة ثلاثة خطوط إنتاج، بطاقة 30 ألف برميل يوميًا للخط الأول و35 ألفًا لكل من الخطين الآخرين، إلى جانب مجمع للبتروكيماويات. والمشروع مصمم على مدى 16 سنة، ثلاث منها للبناء و13 سنة للتشغيل.

الأرقام كبيرة، والطموح أكبر.

فالنيجر لم تعد في المرحلة التي كان فيها النفط مجرد ثروة محتملة تحت الأرض. منذ أن بدأت تصدير خامها عبر خط الأنابيب الرابط بينها وبين بنين، أصبحت أمام واقع جديد. صار النفط موردًا فعليًا، وصار السؤال الطبيعي: هل تكتفي البلاد ببيع الخام، أم تحاول أن تستفيد من المراحل التي تأتي بعد استخراجه؟

من هنا تبدو فكرة مصفاة دوسو مفهومة.

فالبلد الذي ينتج النفط ويستطيع تكريره محليًا يمكنه أن يقلل من حاجته إلى استيراد المشتقات، ويوفر جزءًا من حاجته من الوقود، ويفتح المجال أمام صناعات مرتبطة بالنفط والبتروكيماويات. وإذا توفرت الظروف المناسبة، يمكن أن يتجاوز المشروع السوق النيجرية نفسها نحو أسواق دول الجوار.

لكنني أعتقد أن التعامل مع المشروع باعتباره أمرًا محسومًا سيكون مبكرًا جدًا.

فالفرق كبير بين توقيع اتفاقية بقيمة 1.9 مليار دولار وبين إنجاز مشروع بهذا الحجم على الأرض. التجارب الإفريقية علمتنا أن الطريق بين الإعلان ووضع المنشأة في الخدمة قد يكون طويلًا، وأن المشاريع الكبرى يمكن أن تتعثر بسبب التمويل، أو ضعف البنية التحتية، أو تغير الظروف السياسية، أو حتى لأن الحسابات الاقتصادية التي بدت مقنعة في البداية لم تعد كذلك بعد سنوات.

وهنا تظهر السياسة، شئنا أم أبينا.

فالنيجر تعيش منذ انقلاب 2023 مرحلة سياسية مختلفة، وأعادت خلال السنوات الأخيرة ترتيب علاقاتها الإقليمية والدولية، كما انسحبت من المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا «إيكواس» إلى جانب مالي وبوركينا فاسو، واتجهت نحو بناء فضاء سياسي واقتصادي جديد داخل تحالف دول الساحل.

قد تكون لهذه الخيارات مبرراتها السياسية والأمنية، لكن المستثمر لا ينظر إلى السياسة بالطريقة نفسها التي ينظر بها رجل الدولة. المستثمر يسأل ببساطة: هل العقد محمي؟ هل القواعد واضحة؟ هل البيئة مستقرة؟ هل أستطيع أن أضع مليارات الدولارات في مشروع يحتاج سنوات للبناء ثم أكثر من عقد للتشغيل وأنا مطمئن إلى استمرارية الظروف التي قام عليها؟

وهذه ليست أسئلة هامشية بالنسبة إلى مشروع من هذا الحجم.

ثم هناك العامل الأمني. فالنيجر جزء من منطقة الساحل التي ما زالت تواجه تحديات أمنية معقدة، ومشروع نفطي كبير لا يعيش بمعزل عن محيطه. المصفاة تحتاج إلى طرق، وأنابيب، وشبكات نقل، ومخازن، وحماية مستمرة. وأي اضطراب طويل الأمد يمكن أن يرفع كلفة المشروع أو يعرقل حركة مواده الخام ومنتجاته.

لكن ربما يكون أهم درس يمكن أن تستفيده النيجر موجودًا عندنا، في موريتانيا.

فحين نتحدث اليوم عن مصفاة دوسو، يصعب ألا نتذكر مصفاة نواذيبو التي دخلت الخدمة سنة 1978 بطاقة تقارب 20 ألف برميل يوميًا. يومها كانت الفكرة تبدو أيضًا منطقية: لماذا تظل موريتانيا تعتمد على استيراد المنتجات النفطية وهي قادرة على امتلاك مصفاة توفر جزءًا من حاجتها؟

غير أن الأمور لم تسر كما كان متوقعًا. ظهرت مشكلات فنية واقتصادية، وتبين أن تشغيل المصفاة وتأمين الخام وتسويق منتجاتها لم يكن بالسهولة التي توحي بها الفكرة في بدايتها. ومع مرور الوقت تراجع دورها في التكرير، وأصبحت المنشأة مرتبطة أساسًا بالتخزين.

لا أعتقد أن المقارنة تعني أن مصير دوسو سيكون بالضرورة مصير نواذيبو. الظروف مختلفة تمامًا. موريتانيا في سبعينيات القرن الماضي لم تكن منتجًا نفطيًا بالمعنى الذي أصبحت عليه النيجر اليوم، بينما تدخل نيامي مشروعها وهي تمتلك نفطًا خامًا محليًا وتصدره بالفعل.

وهذا فرق مهم.

لكن التجربة الموريتانية تقول شيئًا بسيطًا جدًا، وربما مهمًا جدًا: وجود النفط لا يكفي وحده لإنجاح المصفاة.

هناك نوع الخام، وكلفة نقله، وتكنولوجيا التكرير، وحجم السوق، وسعر المنتجات، وكلفة التشغيل، والقدرة على المنافسة. وكل هذه التفاصيل قد تبدو صغيرة عندما تكون الفكرة في مرحلة الاحتفال والتوقيع، لكنها تصبح حاسمة عندما تبدأ الماكينات في العمل وتبدأ الحسابات الحقيقية.

وهنا تحديدًا يجب الانتباه إلى حجم مشروع دوسو. نحن لا نتحدث عن مصفاة صغيرة، وإنما عن قدرة تصل إلى 100 ألف برميل يوميًا، أي ما يعادل خمسة أضعاف تقريبًا قدرة مصفاة نواذيبو القديمة. وهذا يمكن أن يكون نقطة قوة إذا توفرت لها تغذية مستقرة وأسواق واسعة، لكنه في الوقت نفسه يعني أن تكلفة الخطأ ستكون أكبر.

أما إضافة مجمع للبتروكيماويات، فهي ترفع سقف المشروع أكثر. فالبتروكيماويات ليست مجرد امتداد طبيعي للمصفاة؛ إنها صناعة تحتاج إلى خبرات، واستثمارات أخرى، وتكنولوجيا، وأسواق، وشبكة من الصناعات التي تستخدم منتجاتها.

ومن المفيد هنا أن ننظر إلى تجربة موريتانيا والسنغال من زاوية أخرى.

فحقل الغاز «السلحفاة الكبرى آحميم» يمثل نموذجًا مختلفًا في المنطقة. فالمورد هنا مشترك بين بلدين، والمشروع قائم على شراكة بينهما وبمشاركة شركات دولية، مع بنية تحتية مصممة منذ البداية للوصول إلى الأسواق الخارجية. وفي الوقت نفسه دخلت السنغال مرحلة إنتاج النفط من حقل سانغومار.

ما يهم في هذه التجربة ليس فقط كمية النفط أو الغاز التي ستنتج، وإنما طريقة بناء المشروع. هناك شراكة، وتقاسم للمخاطر، وربط واضح بين الإنتاج والأسواق والتصدير.

وهذا درس آخر يمكن أن تستفيد منه النيجر.

فليس مطلوبًا منها بالضرورة أن تبني كل شيء وحدها. إذا كانت تريد فعلًا أن تصبح مركزًا إقليميًا للطاقة، فإن الشراكات الدولية والإقليمية، ونقل الخبرة، وتطوير البنية التحتية المشتركة، وربط مشاريع الطاقة بأسواق دول الجوار، ستكون أمورًا لا تقل أهمية عن بناء المصفاة نفسها.

ومن هنا تبدو أمام نيامي صورتان مختلفتان تستحقان التأمل: صورة نواذيبو التي تذكر بأن المشروع الصناعي الكبير يمكن أن يفقد جدواه إذا لم تكن حساباته الاقتصادية دقيقة، وصورة التعاون الموريتاني السنغالي التي تظهر كيف يمكن للشراكة وتقاسم المخاطر وربط الإنتاج بالأسواق أن تفتح طريقًا مختلفًا.

لكن هناك سؤالًا آخر ربما يكون أهم من كل هذه الحسابات: ماذا سيكسب المواطن النيجرِي في النهاية؟

فليس من الصعب أن نتحدث عن مليارات الدولارات، ومئات الآلاف من البراميل، ومركز إقليمي للطاقة. الصعب هو أن يتحول كل ذلك إلى شيء يراه المواطن في حياته اليومية: كهرباء أفضل، طرق أكثر، خدمات صحية وتعليمية أحسن، وظائف حقيقية، وصناعات جديدة لا تقوم فقط على استخراج النفط وإنما تستخدمه لبناء اقتصاد أوسع.

وهنا يكمن جوهر المسألة في رأيي.

الثروة النفطية يمكن أن تكون فرصة كبيرة، لكنها يمكن أيضًا أن تصبح مجرد رقم آخر في موازنة الدولة إذا لم تُحسن إدارتها. والدول لا تصبح قوية لأنها تملك النفط، وإنما لأنها تعرف ماذا تفعل بالمال الذي يأتي من النفط.

لذلك فإن مشروع دوسو يستحق الاهتمام، ليس فقط لأنه أكبر مشروع تكرير تعتزم النيجر إقامته، وإنما لأنه يأتي في لحظة تحاول فيها البلاد إعادة صياغة موقعها السياسي والاقتصادي في المنطقة.

وقد تنجح النيجر في تحويل النفط إلى بداية لصناعة وطنية حقيقية، وقد تواجه في الطريق عقبات تجعل المشروع أكثر صعوبة مما تبدو عليه أرقامه اليوم.

وفي الحالتين، ستكون التجربة جديرة بالمتابعة.

فالنيجر لا تبدأ من فراغ؛ أمامها تجربة موريتانيا التي تقول إن الطموح وحده لا يكفي، وتجربة موريتانيا والسنغال في الغاز التي تبرز أهمية الشراكة وربط الإنتاج بالأسواق. وبين التجربتين تحاول نيامي أن ترسم طريقها الخاص.

والاختبار الحقيقي لن يكون يوم توقيع الاتفاقية، ولا يوم وضع حجر الأساس، وإنما يوم تبدأ المصفاة في العمل، ويبدأ المواطن النيجرِي في لمس أثر النفط في حياته.

عندها فقط يمكن القول إن النيجر انتقلت فعلًا من بلد يصدر النفط إلى بلد يصنع قيمة من النفط.
 

احمد محمد حماده/كاتب و محلل سياسي