«سأرحل... لأن ذلك هو ما ينبغي أن يحدث عندما يحين أوانه».
بهذه العبارة لخّص الرئيس السنغالي الراحل ليوبولد سيدار سنغور قاعدة في الحكم، مفادها أن السلطة ليست ملكًا للحاكم، وأن الرئيس عابر في حياة الدولة، وأن قيمته الحقيقية تكمن فيما يتركه بعد الرحيل.
أستحضر هذه الفكرة اليوم أمام الدعوات المتصاعدة للمطالبة بمأمورية ثالثة للرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، وتعديل الدستور لتمكينه منها.
لقد رأينا هذا المشهد من قبل.
في عهد الرئيس محمد ولد عبد العزيز، كان من بين أشد الداعمين لبقائه وتمديد حكمه أشخاص هم أنفسهم الذين يطالبون اليوم بمأمورية ثالثة لولد الغزواني.
لم يكتفِ بعضهم بالدفاع عن سياسات ولد عبد العزيز، بل بالغوا في تمجيده، فوُصف بأنه «الرئيس الإسلامي» و«رئيس الفقراء» و«سادس الخلفاء الراشدين»، وشبّهوه بجمال عبد الناصر وآل نهرو. بل وصفه بعضهم بأنه أهم من الماء والكهرباء، وأن أي نهضة لم تتحقق لموريتانيا في عهده لن تتحقق بعده أبدًا.
وتحت قبة البرلمان، تمت المطالبة بتحويل موريتانيا إلى مملكة، يكون هو ملكها وولده وليً عهدها.
وكانت مبررات أصحاب هذه الأوصاف وهذه الدعوات أن بقاء ولد عبد العزيز أمر ضروري لمصلحة موريتانيا.
ثم انتهى حكم ولد عبد العزيز.
فماذا حدث؟
اختفت عبارات التمجيد، وتبدلت المواقف، وانقلب معظم المدافعين عنه إلى خصوم، بل إلى منتقدين لاذعين.
وهنا المفارقة:
كيف لمن جعلوا بقاء رئيس سابق قضية وطنية أن يقنعونا اليوم بأن بقاء رئيس آخر قضية وطنية؟
المشكلة ليست في الأشخاص، بل في ثقافة سياسية تربط الدولة بالحاكم، وتبرر تعديل الدستور من أجل بقائه.
الرئيس ليس الدولة، والدولة ليست الرئيس.
الدول القوية تستمر بعد رؤسائها، أما حين ترتبط الدولة بشخص، فتصبح المشكلة في النظام نفسه، لا في عدد المأموريات.
إذا كان الهدف هو مصلحة الرئيس، فالنصيحة ليست: «ابقَ»، بل: «أكمل مهمتك، ثم غادر مرفوع الرأس».
ليس من الوفاء دفعه إلى تغيير الدستور، ولا من الحكمة إقناعه بأنه لا بديل عنه.
وأعظم خدمة يقدمها الرئيس لبلده أن يثبت أن الدولة قادرة على الاستمرار بدونه.
الرئيس الناجح لا ينشغل بالبقاء، بل يسأل نفسه: ماذا سأترك بعدي؟
مؤسسات أقوى؟ قضاءً مستقلًا؟ إدارة مهنية؟ اقتصادًا منتجًا؟ دولة عادلة؟
الرئيس الناجح هو من يجعل الدولة قادرة على الاستمرار بعده.
شجاعة الرحيل
البقاء يحتاج إلى طموح، لكن الرحيل في وقته يحتاج إلى شجاعة أكبر.
ومن يحيطون بالحاكم قد يقنعونه بأنه لا بديل عنه، وأن البلاد تحتاج إلى بقائه، وهنا يحتاج الرئيس إلى من يقول له الحقيقة، لا إلى من ينافق له.
موريتانيا أكبر من رؤسائها
الرئيس يذهب، والدولة تبقى.
نحن بحاجة إلى دولة دائمة، لا إلى رئيس دائم، وإلى مؤسسات، لا إلى أشخاص.
الرئيس المثالي ليس من يطيل البقاء، بل من يحترم الدستور ويغادر في وقته.
هو من يستطيع أن يقول عند الرحيل:
لقد خدمت وطني، وحان وقت انتقال المسؤولية إلى غيري.
ثم يغادر دون أن يترك دولة مرتبطة بشخصه.
الرئيس المثالي هو من يجعل الدولة أقوى بعده، لا من يجعل نفسه غير قابل للاستبدال.
دعوتي إلى الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني أن لا يستمع إلى دعاة المأمورية الثالثة؛ فقد دعوا إلى البقاء لمن سبقه، ثم قلبوا له المجن بعد رحيله، وسيفعلون الشيء نفسه معه بعد أن تنتهي مأموريتاه.
ودعوتي إليه، بدل الاستماع إلى من يدفعونه نحو تغيير الدستور، أن يضمن انتخابات شفافة ونزيهة، لا مكان فيها للمال العام ولا للمال الحرام، ولا لنفوذ الدولة ومؤسساتها، وأن يترك للشعب الموريتاني فرصة اختيار من يراه أهلًا لقيادة البلاد.
وأتمنى أن لا يترشح في تلك الانتخابات إلا مدني مشهود له بالنزاهة والكفاءة وحسن الخلق والوطنية، وأن يفوز من يفوز باعتراف منافسيه، وأن يكون انتقال السلطة سلميًا وحضاريًا، فيكون ذلك أحسن خاتمة لعشر سنوات من الحكم، رغم إخفاقاتها الكثيرة والتي لم تكن بالضرورة نتيجة غياب الطموح أو انعدام الرغبة في الإصلاح، وإنما ساهم فيها مفسدو العشرية ومفسدو ما قبلها، ممن أحاط الرئيس نفسه ببعضهم، فأفسدوا عليه تعهداته، وطموحه للوطن، وأبعدوا عنه كثيرًا من فرص تحقيق ما وعد به.
واليوم، وبعد كل ذلك، يعود هؤلاء أنفسهم ليطالبوه بتغيير الدستور من أجل مأمورية ثالثة!
ولذلك، فإن أفضل قرار يمكن أن يتخذه الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني في ختام حكمه هو أن يرفض هذا الطريق، وأن يثبت أن موريتانيا أكبر من الأشخاص، وأن التداول السلمي على السلطة ليس نهاية مشروع، بل هو في حد ذاته إنجاز وطني كبير.
فإذا غادر السلطة بعد عشر سنوات، تاركًا وراءه انتخابات نزيهة، ورئيسًا منتخبًا بإرادة الموريتانيين، ودولةً لا ترتبط بشخصه، فسيكون قد كتب لنفسه خاتمة أفضل بكثير من خاتمة من سبقه.
وسيكون قد أثبت أن أعظم انتصار للرئيس ليس أن يبقى، وإنما أن يعرف متى يرحل؟ وكيف يرحل؟ وماذا ترك وراءه؟ تلك هي الأسئلة العظيمة التي يجب أن يضعها الرئيس الجاد نصب عينيه، ليخلد نفسه في الذاكرة الوطنية.
الرئيس المثالي/ مامونى ولد مختار







