تحول قطاع الصيد خلال الجلسة البرلمانية الأخيرة إلى ساحة مواجهة بين الخطاب الرسمي والمعطيات العلمية، بعدما اتهمت النائبة عزيزة جدو وزير الصيد بتقديم معلومات تتعارض مع تقارير المعهد الموريتاني لبحوث المحيطات والصيد، وهو الجهة العلمية المرجعية التي تعتمد عليها الدولة لتقييم وضعية المخزون السمكي.
فإذا كانت نشرات المعهد تحذر من الاستغلال المفرط لأسماك السطحيات، وتؤكد أن مخزونها يقترب من مرحلة الخطر، فإن التقليل من هذه التحذيرات يثير تساؤلات جدية حول الأساس العلمي الذي تستند إليه الوزارة في إدارة أحد أهم الموارد الاقتصادية في البلاد.
الأكثر إثارة في النقاش كان ملف مصانع دقيق وزيت السمك (موكا). ففي الوقت الذي تحدث فيه الوزير عن تراجع نشاط هذه المصانع، استعرضت النائبة أرقاما منسوبة إلى تقارير المعهد الموريتاني لبحوث المحيطات والصيد، تؤكد وجود 34 مصنعاً نشطاً، وأنها صدرت خلال عام 2025 نحو 80 ألف طن من منتجات "موكا". وبحسب المعطيات التي قدمتها، فإن إنتاج هذه الكمية يتطلب استهلاك مئات آلاف الأطنان من الأسماك الصغيرة الطازجة، وهي الأنواع التي تمثل أساس السلسلة الغذائية البحرية والغذاء الأكثر انتشاراً لدى المواطنين.
وإذا صحت هذه الأرقام، فإن استمرار هذا المستوى من الاستغلال يطرح تساؤلات حول مدى التوازن بين تشجيع الصناعة وحماية المخزون السمكي، وحول قدرة الوزارة على فرض سياسة تضمن الاستدامة بدلاً من الاستنزاف.
كما أعادت النائبة إلى الواجهة ملف الشباك المحظورة، متهمة الجهات الوصية بعدم التصدي لاستخدام الشباك ذات العيون الصغيرة وشباك "النيلون"، رغم ما يقال عن أضرارها الكبيرة على البيئة البحرية واستنزافها للأسماك الصغيرة. وإذا كانت هذه الوسائل لا تزال تستخدم على نطاق واسع، فإن ذلك يضع فعالية الرقابة البحرية موضع تساؤل.
ولم يتوقف الانتقاد عند الجانب البيئي، بل شمل الجانب الاجتماعي أيضاً، حيث اعتبرت النائبة أن الصيد التقليدي أصبح يدفع ثمن السياسات الحالية، في وقت ارتفعت فيه أسعار المحروقات على الصيادين دون مراجعتها، وهو ما يزيد من أعباء العاملين في القطاع ويضعف قدرتهم على المنافسة.
القضية اليوم لم تعد مجرد اختلاف في وجهات النظر بين وزير ونائب، بل أصبحت مرتبطة بمصداقية المؤسسات الرسمية نفسها. فإذا كانت الوزارة لا تأخذ بتحذيرات مؤسستها البحثية، فما القيمة العملية للتقارير العلمية التي تُنجز بأموال الدولة؟ وإذا كانت تلك التقارير غير دقيقة، فمن واجب الوزارة توضيح ذلك بالأدلة العلمية، لا بالاكتفاء بنفي مضامينها.
إن الثروة السمكية ليست ملكاً لجيل واحد، بل هي مورد استراتيجي للأجيال القادمة، وأي خلاف بين الخطاب الرسمي والتقييم العلمي يجب أن يحسم بالشفافية والبيانات الدقيقة، لأن تجاهل الإنذارات العلمية قد تكون كلفته أعلى بكثير من الاعتراف بها والعمل على معالجتها.
بين تقارير l'IMROP وتصريحات الوزير.. من يضلل الرأي العام بشأن الثروة السمكية؟







