من الخطأ تحميل القبيلة مسؤولية ما تعانيه موريتانيا، فالقبيلة لم تنشأ لتكون عائقًا أمام الدولة، بل نشأت في زمن لم تكن فيه دولة أصلًا. كانت آنذاك المؤسسة التي تحمي الإنسان، وتحفظ الأمن، وتفصل في الخصومات، وتؤمن سبل العيش في مجتمع صحراوي قاسٍ غابت عنه السلطة المركزية.
لقد كانت القبيلة ضرورة تاريخية، بل إن وجودها كان سببًا في بقاء المجتمع واستمراره. غير أن ما كان ضرورة في الأمس قد يتحول إلى عقبة إذا استمر يؤدي الوظيفة نفسها بعد تغير الظروف.
وهنا تبدأ أزمة موريتانيا.
فالدولة الحديثة والقبيلة لا تقومان على المنطق نفسه، ولا تسعيان إلى الغاية نفسها. فالدولة تقوم على المواطنة وسيادة القانون والمساواة بين جميع المواطنين، بينما تقوم القبيلة على رابطة الانتماء والعصبية الاجتماعية. الدولة تمنح الحقوق لأنها حقوق، أما القبيلة فتميل بطبيعتها إلى حماية أبنائها وتقديمهم، وهذه ليست تهمة، بل هي الوظيفة الاجتماعية التي نشأت من أجلها.
لكن المشكلة تبدأ عندما تنتقل هذه الوظيفة من المجال الاجتماعي إلى المجال السياسي والإداري، فيصبح المسؤول ممثلًا لقبيلته أكثر من كونه ممثلًا للدولة، ويصبح الموظف مدينًا لمن أوصله أكثر من التزامه بالقانون، ويبدأ المواطن في البحث عن الواسطة القبلية بدلًا من البحث عن حقه القانوني.
غير أن هذا التحول لم يحدث تلقائيًا، ولم يكن مجرد تطور اجتماعي طبيعي، بل كان إلى حد كبير نتيجة خيارات سياسية. ففي المراحل الوسطى من الحكم العسكري، اتجهت السلطة، ومعها بعض النخب السياسية، إلى توظيف القبيلة بوصفها وسيلة لتثبيت الحكم وحشد التأييد، بدلًا من الاستثمار في بناء أحزاب وطنية ومؤسسات قوية. ومع مرور الوقت، لم يعد هذا التوظيف مجرد أداة ظرفية لإدارة مرحلة معينة، بل تحول إلى نهج سياسي راسخ، فأصبحت القبيلة لاعبًا رئيسيًا في المعادلة السياسية، وأداة لتوزيع النفوذ، وبناء التحالفات، وحسم كثير من الاستحقاقات الانتخابية.
وهنا وقع التحول الأخطر؛ فلم تعد القبيلة تنافس الدولة بوصفها مؤسسة اجتماعية، بل أصبح فكر القبيلة ينافس فكرة الدولة.
فالدولة ليست مباني، ولا علمًا يرفرف، ولا نشيدًا وطنيًا، وإنما هي فكرة قبل كل شيء. وفكرة الدولة الحديثة تقوم على أن المواطنة هي أساس الحقوق والواجبات، وأن القانون هو المرجعية العليا، وأن الكفاءة هي معيار تقلد المسؤوليات. أما فكر القبيلة فيقوم على تقديم الجماعة على الوطن، والولاء على المواطنة، والقرابة على الاستحقاق.
ومنذ أن انتقل هذا الفكر إلى مؤسسات الدولة، لم يعد الصراع الحقيقي في موريتانيا بين أحزاب وبرامج سياسية، بل بين مشروعين متناقضين: مشروع يسعى إلى بناء دولة المؤسسات، ومشروع يُبقي الدولة رهينة شبكات الولاء التقليدية.
إن أخطر ما يفعله هذا الواقع أنه لا يقتل الكفاءة وحدها، بل يقتل الثقة أيضًا.
فعندما يقتنع الشاب بأن الوظيفة تُنال بالانتماء أكثر مما تُنال بالاستحقاق، تتراجع قيمة التعليم، ويحل الإحباط محل الطموح. وعندما يعتقد المستثمر أن النفوذ القبلي أقوى من القانون، تتراجع الثقة في المؤسسات، ويصبح الاقتصاد أسير العلاقات الشخصية. وعندما يشعر المواطن أن العدالة تختلف باختلاف الأسماء والانتماءات، يفقد احترامه للدولة، حتى وإن ظل يحترم رموزها.
وهكذا لا تنهار الدولة فجأة، بل تتآكل ببطء.
ولعل أخطر ما في المشهد الموريتاني أن القبيلة لم تعد مجرد رابطة اجتماعية، بل أصبحت في كثير من الأحيان وسيطًا بين المواطن والدولة. فالمواطن يبحث عن شيخ القبيلة قبل أن يبحث عن المؤسسة، والمسؤول يحسب حساب القبيلة قبل أن يحسب حساب القانون والرأي العام، والسياسي يقيس وزنه بعدد القبائل التي تؤيده أكثر مما يقيسه ببرنامجه السياسي.
وهنا يبرز سؤال لا بد من طرحه بصراحة:
إذا كانت القبيلة تمنح الحماية، وتفتح أبواب الوظيفة، وتحشد الأصوات، وتتوسط لدى الإدارة، وتحل النزاعات، فما الذي بقي للدولة؟
إن استمرار تسييس القبيلة لا يضر الدولة وحدها، بل يضر القبيلة نفسها. فالقبيلة التي كانت رمزًا للتكافل الاجتماعي أصبحت تُستدعى عند الانتخابات، وعند التعيينات، وعند الصراعات على النفوذ، حتى استُهلك اسمها في معارك سياسية لم تُخلق من أجلها.
وهكذا خسرت القبيلة جزءًا من رسالتها الاجتماعية، بينما خسرت الدولة جزءًا من هيبتها.
إن مستقبل موريتانيا لا يقتضي إعلان الحرب على القبائل، فهذا طرح غير واقعي وغير عادل، فالقبائل جزء أصيل من تاريخ المجتمع وهويته. لكنه يقتضي إعادة الأمور إلى نصابها؛ فلتبق القبيلة فضاءً للتكافل الاجتماعي، وصلةً للرحم، وحافظةً للتراث، وداعمًا للتضامن الأهلي، لكن ينبغي أن تتوقف عند أبواب الإدارة، والقضاء، والجيش، والتعليم، والوظيفة العمومية، والقرار السياسي، لأن هناك يبدأ مجال الدولة، ولا ينبغي أن ينازعها فيه أحد.
إن الأزمة الحقيقية في موريتانيا ليست وجود القبائل، فالقبائل كانت موجودة قبل قيام الدولة وستظل جزءًا من نسيج المجتمع. الأزمة هي أن الدولة نفسها لم تستكمل تحررها من منطق القبيلة. وما دام الوصول إلى المنصب يمر عبر الانتماء أكثر مما يمر عبر الكفاءة، وما دام السياسي يرى في القبيلة خزانه الانتخابي قبل أن يرى في المواطن شريكًا في الوطن، فإن فكرة الدولة ستظل أضعف من فكرة القبيلة.
ولن تبدأ موريتانيا بناء دولة حديثة إلا يوم يصبح السؤال الذي يسبق كل تعيين، وكل انتخاب، وكل قرار هو: ماذا يستطيع هذا الرجل أن يقدم للوطن؟ لا: إلى أي قبيلة ينتمي؟
فالدول لا تنهض عندما تنتصر قبيلة على أخرى، وإنما تنهض عندما ينتصر القانون على الجميع، وعندما يصبح المواطن مواطنًا قبل أن يكون ابن قبيلة، وعندما تنتصر فكرة الدولة على كل فكرة تنافسها.
لبات







