السيادة العارية: هل تكسر الخوارزميات عناد الإيرانيين؟ / أحمد بن هارون

بواسطة أبوه مولاي ادريس

في برنامج شاهد على العصر، روى سفير العراق الأسبق في موسكو، فاضل العزاوي، أن وزير الخارجية السوفييتي أندريه غروميكو سأله في بدايات الحرب الإيرانية العراقية: كيف تتورطون في حرب مع قوم عُرفوا بعنادهم؟ ثم أردف قائلا: نحن دولة عظمى قاتلناهم أربعين عاما على تلة حدودية. وحين عرضنا عليهم التنازل عنها مقابل السلام رفضوا!

لم يُرد غروميكو أن يتحدث لضيفه عن حادثة حدودية عابرة، وإنما أراد أن يلخّص، بفضول المستكشف الجيوسياسي ونبرةِ الواقعي البارد، ذهنيةَ أمة ترى في أدق تفصيل سيادي مسألةَ كرامة وامتدادا لذاكرةٍ إمبراطورية لا تقبل القسمة ولا المقايضة.

وقد برهنت العقود الأربعة الماضية على صلابة هذا الوصف. فقد صمدت إيران أمام أطول منظومة عقوبات عرفها التاريخ الحديث، ونجحت في بناء محور إقليمي يمتد من المدائن إلى دجلة والفرات، إلى ضفاف الليطاني، وصولا إلى باب المندب، مستخدمة مزيجا معقدا من الأدوات المذهبية والأيديولوجية والاقتصادية والعسكرية لربط كل هذا الشتات بنظام سياسي فريد تتعايش فيه سلطة ثيوقراطية عليا مع مؤسسات سيادية منتخبة، حافظ على نفسه رغم العزلة الإقليمية والدولية والحصار والهزات والاغتيالات المتواصلة وحروب ظِل لا تهدأ.

في هذا السياق، بدا أن السعي الإيراني إلى امتلاك قدرة ردع نووية لم يكن مرتبطا بالشعارات الأيديولوجية بقدر ما كان متصلا بحسابات البقاء في نظام دولي غير متكافئ. فالدروس التي رسخها تاريخ العلاقات الدولية الحديث بسيطة جدا وقاسية؛ خلاصتُها أن الأنظمة التي امتلكت مظلة ردع نووية استطاعت حماية بقائها السياسي، مهما كان حصارها خانقا، وتلك التي لا تملكها تُتخطف أنظمتها وقياداتها. 

فهذه باكستان أثبتت توازنها الاستراتيجي، وتلك كوريا الشمالية قد حولت حصارها إلى حصانة نووية، وهذه روسيا قد أوتيت من الخاصرة السلافية دون أن يزيدها ذلك إلا قوة؛ بينما انتهى مصير أنظمة وقيادات أخرى إلى السقوط يوم صارت أهدافا مكشوفة لا رادع فعليا لخصمها، مثل نظامي صدام حسين ومعمر القذافي، وقادة حزب الله، وسبق الجميع نورييغا، ومن بعده مادورو،. 

غير أن التحول الأعمق لا يكمن في مسألة الردع النووي بقدر ما يكمن في طبيعة الحرب نفسها. فالمشهد العالمي انتقل إلى مرحلة أكثر رعبا سقطت فيها قدسية المكان، ودخلنا ما يمكن تسميته بعصر “السيادة العارية”: مرحلة تصبح فيها الدول مكشوفة داخل شبكة مراقبة كونية، يغدو أمنها مرتبطا بقدرتها على إدارة هذا الانكشاف. 

لم تعد الدولة، كما تصورها ماكس فيبر في بدايات القرن العشرين، مجرد كيان يحتكر العنف المشروع داخل حدود جغرافية، بل من يملك أيضا القدرة على حماية بياناته وأنماطه التشغيلية من الاختراق والتحليل.

في حروب الأمس، كانت القلاع والمخابئ توفر قدرا من الأمان. أما اليوم فقد صار المكان معلومة، والقائد إحداثية، والسيادة توقيعا رقميا. الأقمار الصناعية، وتحليل أنماط الحركة، وبصيرة الخوارزميات حولت التحصين المادي إلى وهم، ما دام السلوك البشري نفسه قد صار قابلا للتحليل والتعقب والاستهداف.

هذه الاستباحة التكنولوجية لا تتحرك وحدها، وإنما يحركها عقلان مختلفان متلاقيان: دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو. فإذا كان ترامب ينظر إلى العالم بوصفه سوقا أكثر منه نظام توازنات، وإلى السيادة بوصفها سلعة يعاد تسعيرها، فإن نتنياهو يتحرك بنفسية من يحمل في ثيابه بيْضا يهرب به إلى الأمام. يرى في كل هدوء خطرا على كرسيه، وفي كل منافس  تهديدا لوجود إسرائيل ينبغي مسحه من الخريطة. وحين تلتقي عقلية الصفقة بعقلية الجدار، تولد حرب الصدمة: ضربات سريعة، إعادة رسم لميزان الردع، فرض واقع قبل أن تتراكم التكاليف. 

لكن هذا التحول يطرح سؤالا أعمق في نظرية الحرب: هل يؤدي ضرب القيادة إلى انهيار الدولة؟ 

التجربة التاريخية تقدم إجابة أكثر تعقيدا. فقد لاحظ منظرو الواقعية في العلاقات الدولية، ومنهم جون ميرشايمر، أستاذ العلوم السياسية بجامعة شيكاغو، أن معيار النصر في الحروب لا يقاس بعدد الضربات التي يتلقاها النظام السياسي، بل بقدرته على الاستمرار في توليد قيادة بديلة ومواصلة القتال. وكثيرا ما حققت الدول العظمى تفوقا عسكريا واضحا من دون أن تتمكن من فرض نتيجة سياسية حاسمة، كما حدث للولايات المتحدة في فيتنام.

وانطلاقا من هذا المنطق، فإن إسقاط نظام سياسي في دولة كبيرة يتجاوز عدد سكانها تسعين مليون نسمة، وتزيد مساحتها على مليون وستمائة ألف كيلو متر مربع، وتملك تاريخا طويلا وسردية وطنية وثقافية راسخة، ليس بالمهمة اليسيرة التي يمكن تحقيقها عبر الضربات الخارجية وحدها؛ خصوصا عندما يجد أبناء هذه الدولة أنفسهم في مواجهة اعتداء أجنبي مباشر يرى الأمريكيون أنفسهم أنه إنما كان من أجل إسرائيل. 

ومع ذلك، فإن القوة المادية وحدها لا تكفي. فالسيادة الحديثة تقوم على معادلة مزدوجة: القدرة التقنية والشرعية السياسية. من يملك الشرعية الشعبية دون القوة لا ينجو، كما شهدنا من ابتزاز وإذلال للدنمارك ومن ورائها أوربا. لكن الطرف الآخر للمعادلة أكثر خطورة. فالنظام الذي يفتقر إلى رضا شعبه الحر يتحول إلى رهينة يحكمها الخوف من السقوط، وتبقى قابلة للاختراق من الخارج.

ولهذا فإن دولة كإيران، بتعدادها الضخم وتاريخها الإمبراطوري، لا تُكسر باغتيال خاطف، لكن حصانتها الحقيقية ستُختبر في قدرتها على التحول من المصالحة الجزئية المقيدة إلى المصالحة الكاملة مع الذات والحداثة والمؤسسية... إلى دولةٍ أمةٍ، متصالحة مع شعبها بكامل مكوناته وطاقاته وحرياته. 

ويبقى أن التحول التكنولوجي الذي أعاد تعريف الحرب لن يبقى محتكرًا طويلا. فكما انتشرت تقنيات السلاح في مراحل سابقة من التاريخ، ستنتقل أدوات المراقبة والتحليل الخوارزمي إلى أطراف متعددة. وعندها قد يظهر شكل جديد من الصراع يقوم على إخفاء البيانات وتضليل الأنظمة الرقمية بقدر اعتماده على القوة العسكرية المباشرة؛ وربما يولد أيضا نمط جديد من “المقاومة الشبحية” القادرة على إرباك الخوارزميات نفسها.

السؤال الذي يطرحه هذا التحول يتجاوز الحالة الإيرانية. فنحن أمام لحظة تاريخية يعاد فيها تعريف معنى السيادة ذاته. فإما أن يصبح العالم فضاء تدير فيه الدول ككيانات شفافة داخل شبكات مراقبة شاملة، وإما أن تنجح المجتمعات السياسية في إعادة بناء توازن جديد بين القوة التقنية والإرادة الإنسانية.

وبين الخوارزمية والإرادة، قد يتحدد شكل الدولة في القرن الحادي والعشرين.