حين يصبح التململ أخطر من الصراع السياسي
رسالة إلى رئيس الجمهورية: لا تجعلوا القلق يبحث عن قائد
أخشى أن تكون لوثة التقاطب بين مكونات شعبنا قد بلغت مرحلة تستحق التوقف والتأمل؛ لا لأنها قدر محتوم، وإنما لأنها، في جانب منها، امتداد لبذرة انقسام زرعها المستعمر، حين عمل على إبقاء المجتمع في حالة من التباعد، بما يحول دون تشكل هوية وطنية جامعة، ويضمن في الوقت نفسه استمرار لغته لغةً رسمية ولغةً للإدارة.
وعندما بدأ الرئيس المختار ولد داداه بناء الدولة الموريتانية الحديثة، كان يدرك أن قيام دولة وطنية لا يمكن أن يكتمل مع بقاء الشرعيات التقليدية منافسًا فعليًا لسلطة الدولة. ولذلك اتخذ خطوات حاسمة، من بينها منع الاجتماعات القبلية، وتعميم التمدرس، وترسيخ الإدارة الحديثة؛ وهي إجراءات لم تكن مجرد قرارات تنظيمية، وإنما كانت جزءًا من مشروع أكبر: نقل الولاء تدريجيًا من القبيلة والمشيخة والإمارة إلى الدولة، وجعل مؤسسات الجمهورية المرجعية الأساسية للمواطن.
وكان ذلك، في جوهره، مشروعًا لتثبيت الدولة وتوحيد المجتمع حول هوية وطنية تتجاوز الولاءات السابقة عليها.
لكن التحول من مجتمع تحكمه شرعيات تقليدية إلى دولة حديثة لم يكن عملية سهلة. فالشرعيات القديمة لا تختفي بقرار إداري، والذاكرة الاجتماعية لا تمحى بقانون، وموازين القوة التي تشكلت قبل الدولة تظل قادرة، في لحظات الأزمات، على الظهور من جديد.
ولعل بني حسان كانوا من أكثر المكونات التي شعرت بأن التحول الجديد قد قلص من نفوذها التاريخي. وليس المقصود هنا تبرير العودة إلى الشرعيات التقليدية، وإنما فهم جانب من الخلفية التي جعلت الصراع على السلطة في موريتانيا يتداخل، منذ وقت مبكر، مع البنية الاجتماعية.
فبعد الإطاحة بالمختار ولد داداه، جاء الانقلاب الذي كان جدو ولد السالك وراء تدبيره، ونفذه شقيقه المختار ولد السالك. ثم تولى المصطفى ولد محمد السالك، وهو من بني حسان، رئاسة البلاد، لكنه لم يمكث طويلًا في السلطة.
وبعد ذلك، ومع وصول هيدالة إلى الحكم، ظهرت محاولة أخرى للاستحواذ على السلطة قادها الأمير أحمد سالم ولد سيدي، القادم من المغرب، وهو أمير مغفري حساني.
وليس المقصود استحضار هذه الوقائع لإعادة محاكمة التاريخ، أو لإثبات مؤامرة متصلة ضد مكوّن بعينه، وإنما للإشارة إلى حقيقة أكثر عمقًا: أن الصراع على السلطة في موريتانيا ظل، في مراحل مختلفة، يتقاطع مع البنية الاجتماعية، وأن الذاكرة المرتبطة بذلك لم تختفِ.
وهنا تكمن حساسية الموضوع.
فالدولة قد تنجح في إلغاء الاجتماع القبلي من الناحية القانونية، لكنها لا تستطيع أن تلغي الذاكرة الاجتماعية بقرار.
وقد تستطيع أن تمنع القبيلة من ممارسة دور سياسي مباشر، لكنها لا تستطيع أن تمنع الناس من تفسير الأحداث من خلال انتماءاتهم إذا فقدوا الثقة في حياد الدولة.
وهكذا، بدل أن تختفي الشرعيات القديمة، عادت في مراحل لاحقة بأشكال جديدة.
أصبحت القبيلة وسيلة للتعبئة الانتخابية، والوساطة، وبناء النفوذ، وتوزيع الامتيازات، ثم توسع الأمر ليشمل الفئة والطبقة والجهة والإثنية.
وهنا حدثت المفارقة الكبرى: الدولة التي كان يفترض أن تتجاوز العصبيات، بدأت في بعض مراحلها تستخدمها بدل أن تتجاوزها.
ومن هذه النقطة تحديدًا ينبغي أن نفهم الخوف من أن يتحول التقاطب الاجتماعي إلى عامل دائم في الحياة السياسية.
حين تصبح الهوية ملاذًا عند اهتزاز الثقة
المجتمع الذي يثق في دولته لا يحتاج إلى الاحتماء بقبيلته.
أما عندما يشعر المواطن بأن الدولة لا تنصفه، فإنه يعود تلقائيًا إلى أقرب دائرة يشعر داخلها بالأمان: العائلة، القبيلة، الفئة، الجهة.
وهنا يبدأ الخطر.
لأن المشكلة لا تعود مشكلة سياسة، وإنما تصبح مشكلة هوية.
والهوية إذا دخلت الصراع السياسي، يصبح التراجع أصعب بكثير.
فما يبدأ باعتقال شخص قد ينتهي، في الوعي العام، باعتباره استهدافًا لمجموعة.
وما يبدأ بقرار قانوني قد يُقرأ باعتباره محاولة لإغلاق المجال أمام فئة.
وما يبدأ بإجراء إداري قد يتحول إلى قصة عن الإقصاء والتهميش.
وهنا أصل إلى لبات ولد المعيوف.
لبات ولد المعيوف: الحدث أم ما وراء الحدث؟
لا أعرف، ولا أريد أن أفترض، أن اعتقال لبات ولد المعيوف جاء بسبب انتمائه أو بسبب موقعه الاجتماعي.
وقد يكون للاعتقال ملف قانوني وأمني محدد لا علاقة له بكل هذه التأويلات.
لكن السؤال الذي يستحق أن يُطرح هو: لماذا وجد هذا الاعتقال بيئة جاهزة للتأويل؟
لماذا قرأه البعض باعتباره أكثر من مجرد إجراء قانوني؟
ولماذا ربطه آخرون بالسياق السياسي والاجتماعي الأوسع؟
هنا لا تكمن المشكلة في الاعتقال وحده، وإنما في الفراغ الذي تتركه المعلومات عندما لا تكون أسباب القرارات واضحة للرأي العام.
وقبل الاعتقال، جاءت زيارة السيدة الأولى للجنرال مسقارو ولد سيدي، وهي زيارة قد تكون لها أسبابها الخاصة ولا يعني تزامنها مع اعتقال لبات وجود علاقة بين الحدثين.
لكن السياسة لا تتحرك فقط بالوقائع، وإنما أيضًا بالتأويلات.
وما يقرأه البعض باعتباره زيارة عادية، قد يقرأه آخرون بوصفه جزءًا من ترتيبات سياسية.
وما تراه السلطة إجراءً قانونيًا، قد يراه آخرون حلقة ضمن مسار يستهدف تفكيك لحمة اجتماعية أو منع تشكل رمز قادر على جمع المتململين.
هل هذه القراءة صحيحة؟ لا أملك دليلًا على ذلك.
لكن السؤال الأهم: هل تستطيع السلطة أن تترك مثل هذه القراءة تنتشر دون توضيح؟
إن كانت خاطئة، فإن أفضل رد عليها هو الشفافية.
وإن كانت هناك أسباب قانونية محددة للاعتقال، فإن إعلانها أو توضيحها، في الحدود التي يسمح بها القانون، يسحب من التأويلات كثيرًا من قوتها.
وقانون المتقاعدين... أين تبدأ حماية الدولة وأين ينتهي القلق؟
يزداد هذا الأمر حساسية مع القانون الذي يمنع المتقاعدين من المؤسسة العسكرية من ممارسة السياسة.
من حيث المبدأ، لا يمكن الاعتراض على حق الدولة في تنظيم علاقة المؤسسة العسكرية بالعمل السياسي، وحماية حياد الجيش، ومنع استغلال الرتب والرمزية العسكرية في المنافسة السياسية.
لكن المشكلة تظهر عندما يشعر الرأي العام بأن القانون لا يطبق باعتباره قاعدة عامة، وإنما باعتباره وسيلة لإبعاد أشخاص أو تيارات أو شخصيات بعينها.
فالقانون القوي ليس فقط الذي يكون صحيحًا في نصه، بل الذي يشعر المواطن بأنه عادل في تطبيقه.
وإذا اجتمعت هذه التطورات في ذهن الناس، فقد تتشكل قراءة تقول إن هناك محاولة لإغلاق أبواب السياسة أمام مجموعة من المتقاعدين الذين يمتلكون حضورًا اجتماعيًا، وربما لمنع بعضهم من التحول إلى رموز سياسية.
مرة أخرى: قد تكون هذه القراءة خاطئة.
لكن تجاهلها لا يجعلها تختفي.
الخطر الحقيقي ليس لبات... بل ما قد يصنعه التململ
وهنا أصل إلى ما أريد أن أقوله لرئيس الجمهورية.
فخامة الرئيس،
إن أخطر ما ينبغي أن تنتبهوا إليه ليس الشخص الذي يعبر عن عدم رضاه.
الخطر هو التململ الذي يبحث عن شخص يعبر عنه.
فالناس لا يصنعون القادة دائمًا لأنهم يحملون مشاريع كبرى.
أحيانًا يصنعونهم لأنهم يشعرون أنهم وجدوا شخصًا قال ما كانوا يريدون قوله.
وقد يتحول شخص عادي، في لحظة سياسية معينة، إلى رمز؛ ليس بسبب قدراته، وإنما لأن الظروف منحته هذا الدور.
وهذه هي اللحظة التي ينبغي أن تسبقها الدولة، لا أن تنتظرها.
إن على رئيس الجمهورية أن يعي مستوى الوعي لدى شعبه، وأن يدرك أن المواطن الموريتاني اليوم أكثر قدرة على الربط بين الأحداث، وأكثر حساسية تجاه قضايا الهوية والتمثيل والعدالة.
وقد تكون السلطة مقتنعة بأنها تتعامل مع ملف منفصل هنا، وقرار قانوني هناك، وإجراء أمني في مكان آخر.
لكن المواطن قد يراها جميعًا في صورة واحدة.
وهنا تبدأ الخطورة.
لذلك فإن أفضل طريقة لمنع ظهور قائد للتململ ليست البحث عن الأشخاص الذين يمكن أن يصبحوا قادة له.
بل إزالة أسباب التململ.
فتح المجال أمام التعبير.
توضيح القرارات الحساسة.
تطبيق القانون على الجميع بالمعيار نفسه.
والابتعاد عن كل ما يمكن أن يعطي الانطباع بأن الدولة تنظر إلى المجتمع من خلال مكوناته.
إن الدولة التي تشعر مواطنيها بأنهم متساوون أمامها لا تحتاج إلى تفكيك اللحمة الاجتماعية؛ لأن المواطنة نفسها تصبح الرابط الأقوى.
أما إذا شعر مكوّن بأن وجوده أو تاريخه أو رموزه أصبحت موضع استهداف، فسوف يبحث، بصورة طبيعية، عن من يحميه أو يتحدث باسمه.
وهنا قد يتحول الخلاف السياسي إلى صراع هويات.
وهذا ما ينبغي تجنبه قبل أن يصبح واقعًا.
رسالة أخيرة
فخامة الرئيس،
لا أكتب هذه السطور دفاعًا عن لبات ولد المعيوف كشخص، ولا اتهامًا للسلطة في قضية لا أعرف تفاصيلها.
أكتب لأنني أخشى على الدولة من سوء قراءة التململ.
وأخشى أن نكرر أخطاء التاريخ حين نحاول معالجة القلق الاجتماعي بالأدوات الأمنية وحدها.
لقد أثبت تاريخنا أن القبيلة يمكن أن تتراجع، لكنها لا تختفي.
وأن الذاكرة يمكن أن تصمت، لكنها لا تموت.
وأن الإحساس بالإقصاء، إن تراكم، يمكن أن يبحث عن رمز.
لذلك، إذا كان اعتقال لبات ولد المعيوف يستند إلى أسباب قانونية واضحة، فليكن القانون واضحًا، وليكن تطبيقه عادلًا.
وإذا كانت هناك مخاوف أمنية، فلتُعالج في إطار المؤسسات والقانون.
أما إذا كانت هناك حسابات سياسية تتجاوز الملف المعلن، فإن الحكمة تقتضي إعادة النظر قبل أن تتحول الحسابات إلى قناعات جماعية.
فالدولة لا تخسر عندما تسمح للناس بالكلام؛ بل تخسر عندما تجعلهم يبحثون عن شخص يتكلم نيابة عنهم.
ولا أخشى على موريتانيا من رجل يختلف مع السلطة.
بل أخشى من يوم يصبح فيه كل من يختلف معها قابلًا لأن يتحول إلى قائد للتململ.
فحينها لن تكون المشكلة في الرجل.
ستكون المشكلة في الأرض التي أنبتته.
وهذه الأرض لا يعالجها الاعتقال.
يعالجها العدل، والإنصاف، والشفافية، والمواطنة.
حمادي سيدي محمد آباتي







