هل أصبحت «تآزر».. أكبر بؤرة للفساد بدل محاربة الفقر؟ مامونى ولد مختار

بواسطة وكالة الإعلام …

منذ إنشاء المندوبية العامة للتضامن الوطني ومكافحة الإقصاء «تآزر»، عُلّقت عليها آمال كبيرة لتكون الذراع الاجتماعية للدولة، وأن تصل بالمساعدات إلى مستحقيها، وتسهم في محاربة الفقر والهشاشة، وتمويل المشاريع والخدمات الأساسية في المناطق الأكثر حرمانًا.
لكن بعد سنوات من العمل، وفي ظل إنفاق يُقدّر بمئات مليارات الأوقية سنويًا، بدأ الرأي العام يطرح أسئلة جوهرية حول طريقة عمل هذه المؤسسة، وشفافية تسييرها، ومدى وصول أموالها فعلًا إلى الفقراء.
فكيف يمكن لمؤسسة تنفق هذه الأموال الضخمة أن تعمل بعيدًا عن السلطات الإدارية والمنتخبين المحليين، وهم الأقرب إلى المواطنين والأعرف بأوضاعهم وحاجاتهم؟ وهل يعقل أن تُنفذ مشاريع في القرى والبلديات دون تنسيق مؤسسي حقيقي مع الولاة والحكام والعمد والنواب والمجالس الجهوية؟
والسؤال الأهم: على أي أساس تحدد «تآزر» المستفيدين؟
ما قاعدة البيانات التي تعتمد عليها؟ من أنشأها؟ ومتى جرى تحيينها؟ ومن يراجعها؟ وهل يستطيع المواطن الذي استُبعد من برامجها أن يعترض ويطلب مراجعة وضعيته؟
إذا كانت هذه القاعدة هي الأساس الذي تُصرف بموجبه مئات المليارات، فمن حق الشعب أن يعرف كيف أُعدت، ومن يراقبها، وما الضمانات التي تكفل عدالتها ودقتها.
وهنا يبرز السؤال فى غاية الأهمية: من يراقب أموال «تآزر»؟
من يتأكد من وصول المساعدات إلى مستحقيها؟ ومن يراقب المشاريع والصفقات وتكاليفها وجودتها؟ ومن يضمن أن المشاريع المنجزة هي فعلًا أولويات السكان، وليست اختيارات اتُّخذت بعيدًا عنهم؟
إن غياب الشفافية في إدارة هذه الموارد الضخمة لا يمكن اعتباره مجرد خلل إداري؛ فهو يفتح الباب أمام المحسوبية والزبونية وسوء توجيه الموارد وهدر المال العام، ويجعل المؤسسة بيئة خصبة للفساد والبيروقراطية، خصوصًا عندما تُتخذ القرارات بعيدًا عن الرقابة المحلية والمجتمعية.
لكن المشكلة لا تتعلق فقط بكيفية إنفاق المال، وإنما أيضًا بفلسفة مكافحة الفقر نفسها.
فهل المطلوب أن تستمر «تآزر» في توزيع السلال الغذائية والمساعدات العينية عامًا بعد عام، أم أن الغاية هي إخراج الأسر من دائرة الحاجة نهائيًا؟
أليس من الأجدى توجيه نسبة معتبرة من هذه الأموال إلى مشاريع إنتاجية مدرّة للدخل، تتناسب مع خصوصية كل منطقة: الزراعة، والرعي، والصيد، والحرف، والصناعات التحويلية الصغيرة، بما يخلق فرص عمل ويوفر دخلًا مستدامًا للأسر؟
فالسلة الغذائية قد تسد حاجة الأسرة أيامًا، لكنها لا تخرجها من الفقر.
التنمية الحقيقية لا تُقاس بعدد السلال الموزعة، وإنما بعدد الأسر التي لم تعد بحاجة إليها.
إن «تآزر» مطالبة اليوم بإثبات أن الأموال التي تنفقها تحقق الغاية التي أُنشئت من أجلها، وأن برامجها تقوم على معايير واضحة وعادلة، وأن مشاريعها تخضع للرقابة والمحاسبة.
فالمال العام ليس ملكًا لـ«تآزر» ولا للقائمين عليها، وإنما هو أمانة في أعناق من يديرونه، والفقراء ليسوا مجرد أرقام في قاعدة بيانات.
ومن هنا يبقى السؤال الذي لا تستطيع البيانات الرسمية أن تحجبه:
هل أصبحت «تآزر» أداة لمحاربة الفقر، أم تحولت، بسبب البيروقراطية وغياب الشفافية، إلى مؤسسة تُدار على استمرار الفقر وتستهلك المال العام باسمه؟
وإذا كانت المؤسسة تريد نفي ما يثار حولها من شبهات فساد وهدر ومحسوبية، فإن أفضل رد ليس التصريحات، وإنما الشفافية الكاملة، ونشر البيانات، وفتح برامجها ومشاريعها وحساباتها أمام أجهزة الرقابة والرأي العام، حتى يعرف المواطن أين ذهبت أمواله، ومن استفاد منها، وما الذي تحقق بها.
فمكافحة الفقر لا تكون بإدارة الفقر، وإنما بالقضاء عليه عبر العمل والإنتاج والتنمية المستدامة.