حين تضيق المسافة بين السلطة والمعارضة قراءة في تحولات المشهد السياسي الموريتاني بين منطق الاحتواء وتحديات الديمقراطية

بواسطة عبد الله لبات

عرفت الساحة السياسية في موريتانيا خلال السنوات الأخيرة تحولات لافتة في طبيعة العلاقة بين السلطة والمعارضة، تمثلت في تقارب متزايد بين النظام القائم وجزء معتبر من الطيف المعارض، حيث التحقت أحزاب وشخصيات كانت تُصنف سابقا ضمن المعارضة بخيارات أكثر انسجاما مع السلطة، بينما اختارت قوى أخرى تخفيف حدة خطابها أو تبني مواقع سياسية أقل تصادما.

ولا تبدو هذه التحولات مجرد حالات فردية معزولة، بل تعكس مسارا سياسيا أخذ يتشكل تدريجيا داخل الحياة العامة، حتى بات من الصعب أحيانا رسم حدود واضحة بين فضاء الموالاة وفضاء المعارضة كما كان الأمر في مراحل سابقة.

غير أن قراءة هذه الظاهرة تحتاج قدرا من التوازن، بعيدا عن منطق التخوين أو التمجيد، لأن ما يحدث لا يمكن اختزاله ببساطة في فكرة “انتصار السلطة” أو “فشل المعارضة”، بل يرتبط بطبيعة النظام السياسي نفسه، وبالبيئة الاجتماعية والحزبية التي تتحرك داخلها القوى السياسية في البلاد.

منطق الاحتواء بدل منطق الصدام

في كثير من الأنظمة السياسية ذات البنية الاجتماعية المعقدة، تميل السلطة إلى توسيع دائرة التوافقات واحتواء الخصوم بدل الذهاب نحو استقطاب حاد ومفتوح.

ويبدو أن هذا المنطق أصبح حاضرا بشكل واضح في إدارة المجال السياسي الموريتاني خلال المرحلة الأخيرة.

فبدل الدخول في مواجهة مباشرة مع مختلف أطراف المعارضة، اتجه المشهد تدريجيا نحو بناء حالة من التقارب السياسي الواسع، سواء عبر الحوار، أو الشراكات السياسية، أو إعادة تشكيل التحالفات التقليدية.

ومن زاوية معينة، يرى أنصار هذا التوجه أن البلاد، بحكم تركيبتها الاجتماعية والجهوية والقبلية الحساسة، تحتاج إلى قدر من التهدئة والتوافق أكثر من حاجتها إلى صراع سياسي حاد قد ينعكس سلبا على الاستقرار العام.

كما يعتبر البعض أن تخفيف التوتر السياسي ساهم في خلق مناخ أكثر هدوءا مقارنة بمراحل سابقة عرفت مستويات أعلى من الاستقطاب والمواجهة.

ولا يمكن إنكار أن هذا المسار منح السلطة قدرة أكبر على توسيع قاعدة الدعم السياسي، كما ساهم في تقليص مستوى الاحتقان داخل المجال العام.

لكن التهدئة السياسية ليست دائما مرادفا لصحة الحياة الديمقراطية

في المقابل، يثير هذا التحول جملة من الأسئلة المرتبطة بمستقبل التعددية السياسية ودور المعارضة داخل النظام الديمقراطي.

فالديمقراطية لا تقوم فقط على وجود انتخابات أو تعدد حزبي شكلي، بل تحتاج أيضا إلى معارضة مستقلة وقادرة على مراقبة السلطة وتقديم بدائل سياسية حقيقية.

وحين تتقلص المسافة بين السلطة والمعارضة إلى حد كبير، يصبح المشهد السياسي معرضا لفقدان أحد أهم عناصره الأساسية: التنافس الفعلي حول البرامج والتصورات.

وقد أدى هذا الواقع تدريجيا إلى تنامي شعور لدى جزء من الرأي العام بأن الخلافات السياسية بين كثير من الأحزاب لم تعد تعكس اختلافات جوهرية في الرؤى بقدر ما تعكس اختلافا في المواقع والتموقعات داخل المجال السياسي.

كما ساهمت التحولات المتكررة في مواقف بعض الشخصيات والأحزاب في تعزيز حالة من الشك الشعبي تجاه العمل الحزبي عموما، خاصة لدى فئة واسعة من الشباب التي أصبحت تنظر إلى السياسة باعتبارها فضاء تتحكم فيه الحسابات الشخصية والتحالفات الظرفية أكثر مما تحكمه المشاريع الفكرية والبرامج طويلة المدى.

وهنا لا تتحمل السلطة وحدها مسؤولية هذا الواقع، بل تتحمل الأحزاب السياسية نفسها جزءا مهما منه، بسبب ضعف البناء الحزبي، وهشاشة التأطير الفكري، وارتباط كثير من الاصطفافات بالأشخاص أكثر من ارتباطها بالمشاريع السياسية الواضحة.

المعارضة بين أزمة الوظيفة وأزمة الثقة

المشكلة الأساسية التي يواجهها المشهد السياسي اليوم ليست فقط في انتقال بعض المعارضين إلى مواقع أقرب من السلطة، بل في تراجع قدرة المعارضة نفسها على إقناع المواطن بأنها تمثل بديلا سياسيا مختلفا.

فحين تصبح الانتقالات السياسية متكررة، والخطابات متشابهة، والتحالفات قابلة للتبدل السريع، يفقد المواطن تدريجيا ثقته في جدوى الاصطفافات السياسية التقليدية.

ومع الوقت، قد يقود ذلك إلى نتيجة أكثر خطورة من مجرد ضعف الأحزاب، وهي توسع حالة العزوف واللامبالاة السياسية، خاصة لدى الأجيال الجديدة التي تبحث عن خطاب أكثر وضوحا ومصداقية.

وفي مثل هذه الحالات، تصبح الديمقراطية مهددة ليس بسبب قوة السلطة فقط، بل أيضا بسبب ضعف المجال السياسي بأكمله، بما فيه المعارضة نفسها.

بين الاستقرار السياسي والحاجة إلى التوازن

لا شك أن الاستقرار يمثل أولوية مهمة لأي دولة، خصوصا في محيط إقليمي مضطرب ومعقد.

لكن الحفاظ على الاستقرار لا يعني بالضرورة إضعاف المسافة الفاصلة بين السلطة والمعارضة إلى الحد الذي يفقد الحياة السياسية حيويتها الطبيعية.

فالأنظمة السياسية القوية لا تُقاس فقط بقدرتها على توسيع دائرة الموالاة، بل أيضا بقدرتها على التعايش مع معارضة مستقلة وفاعلة وقادرة على النقد والمحاسبة دون أن تتحول تلقائيا إلى مصدر تهديد.

كما أن المعارضة الجادة لا تُقاس فقط بحدة خطابها، بل بقدرتها على بناء مشروع سياسي متماسك يحافظ على استقلاليته ومصداقيته أمام الرأي العام.

وفي النهاية، قد تنجح سياسات الاحتواء والتوافق في إنتاج هدوء سياسي مؤقت، لكنها لا تستطيع وحدها بناء حياة ديمقراطية صحية ما لم تُرافقها مؤسسات قوية، وأحزاب ذات مصداقية، ومجال سياسي يسمح بوجود اختلاف حقيقي لا يُنظر إليه دائما باعتباره مشكلة ينبغي احتواؤها.

فحين تضيق المسافة كثيرا بين السلطة والمعارضة، لا يختفي الصراع السياسي بالضرورة، بل قد يختفي معه أيضا شعور المواطن بوجود بدائل حقيقية داخل المجال العام.

 

عبد الله لبات