في تطور لافت، أصدرت محكمة الاستئناف في نواكشوط حكمها ببراءة رئيس منظمة الشفافية الشاملة، السيناتور السابق محمد ولد غده، من ثلاث تهم وُجّهت إليه، مع إدانته بتهمة إهانة القضاء.
وهو حكم حمل في طياته أكثر من دلالة، ولم يكن مجرد فصل قانوني في قضية مثيرة للجدل، بل رسالة تتجاوز الشخص إلى جوهر العلاقة بين العدالة والحقيقة.
لقد طغى على القضية منذ بدايتها بُعدان متداخلان: بُعد قانوني يتعلق بالتهم الموجهة، وبُعد أخلاقي وسياسي يرتبط بالملفات التي أثارها الرجل، والتي كانت سببًا مباشرًا في متابعته وسجنه. واليوم، وبعد أن قالت العدالة كلمتها في جزء من القضية، يظل السؤال الأكبر مطروحًا: ماذا عن تلك الملفات؟
إن تبرئة محمد ولد غده من التهم الأساسية تعني ضمنيًا أن الأدلة التي استندت إليها الاتهامات لم تكن كافية للإدانة، وهو ما يعيد النقاش إلى جذره الأول: هل كانت الملفات التي كشفها تحتوي على معطيات جدية تستوجب التحقيق؟ أم أنها طُويت في خضم معركة قضائية تجاوزت جوهر القضية؟
ما يثير قلق الرأي العام ليس فقط مسار المحاكمة، بل احتمال أن تُطوى الحقائق تحت وطأة الإجراءات، وأن يُختزل النقاش في شخص المُبلّغ بدل مضمون ما بلّغ عنه. فمحاسبة من يثير ملفات فساد دون التحقق العميق من مضمونها قد يبعث برسائل سلبية لكل من يسعى إلى كشف الاختلالات.
إن العدالة، وإن أنصفت المتهم جزئيًا، تبقى مطالبة اليوم باستكمال مسارها الطبيعي عبر فتح الملفات التي كانت محل الجدل، والتدقيق فيها بكل شفافية وحياد.
فالحقيقة لا تتجزأ، ولا يمكن أن تظل رهينة أحكام ناقصة أو مقاربات مجتزأة.
كما أن تعزيز الثقة في المؤسسات يمر حتمًا عبر الجدية في التعامل مع قضايا الفساد، ليس فقط من خلال متابعة الأشخاص، بل عبر تفكيك الوقائع ومحاسبة كل من يثبت تورطه، أيا كان موقعه أو صفته.
وأخيرا :لا يتعلق الأمر بشخص محمد ولد غده بقدر ما يتعلق بمبدأ أوسع: هل نحن أمام عدالة تُنهي الملفات أم عدالة تُكمل طريقها حتى كشف الحقيقة كاملة؟
ذلك هو السؤال الذي ما يزال مطروحًا بإلحاح، وهو أيضًا الاختبار الحقيقي لمدى التزام المنظومة القضائية وخيارات الدولة بمبدأ الشفافية وسيادة القانون.







