من مطالب الوحدة العربية إلى تفتيت الوحدة الوطنية، بناء سلطات التقسيم في اليمن، وليبيا، والسودان، وسوريا .. بقلم: محمد عمر غرس الله  

بواسطة أبوه مولاي ادريس

حملت مرحلة الربيع العربي - للأمة العربية والدولة الوطنية فيها - موجات فكرية وسياسية، أخرجت المبادئ العربية الوحدوية والوطنية من التداول في الساحة الفكرية والسياسية العربية، ونصبت ونشرت مصطلحات وأوصاف وسرديات وأفكار وبرامج أخرى، مغايرة تماماً لتلك الأفكار والأوصاف التي كانت محتوى المجال الفكري والسياسي للإعلام والتنظيمات السياسية والرأي العام العربي منذ بدايات القرن الماضي، تلك الأفكار والشعارات التي كانت قد تصاعدت مع الدولة الوطنية والإستقلال الوطني حتى العشرية الأولى من القرن الحالي، حيث أشعل فيها عود ثقاب "محمد البوعزيزي" نهاية عام 2010م اللحظة التي أعلنت على بروز الموجة الفكرية والسياسية العارمة، التي جرفت كل تلك الأفكار والسياسيات السابقة، بفعل ضخ إعلامي عربي داخلي قادته دول الخليج وآلتها الإعلامية ومراكز البحث التي تمولها، مسنودة بآلة الإعلام الغربية الضخمة الناطقة بالعربية، وبإدارة عمليات إعلامية ونفسية وإجتماعية وسياسية، أدارت محتوى مواقع التواصل الإجتماعي، التي فتحت وكسرت طوق الحماية العربي والوطني، وأخرجت من ثناياها "الأثاث اللغوي" الذي به تم ترتيب سلم أولويات إهتمام الرأي العام العربي، ولقنته مصطلحات وأوصاف، صار يرددها، ويصرخ بها، وأدمن على ترديدها وإجترارها، حتى صار لها مجتمع يلهج ويصيح ويصرخ بها، دون أي تفكير عميق، أو محاولات تصويب من النخب التي تراجعت وضعفت وتلاشت وتخلت، والتي تم حشرها في زاوية مغلقة على نفسها متقوقعة، لا فعل ولا تأثير ولو نسبي لها على الواقع الوطني والعربي، وما جد عليه وما يجري فيه وحوله.
لقد طال هذا التغير حتى مسألة (الوحدة الوطنية)، ووجود الدولة، وبنية النظام السياسي (للوطن)، فالرأي العربي العام (خاصة الرأي العام الوطني)، تقسم وتم تفتيته على الأحداث اليومية ومجريات التجاذبات (هذا يتم بفعل فاعل متمكن من علم إدارة الجماعات بإستخدام تقنية إدارة الشعوب المستطرقة: التسخين الطرق التشكيل، وبإستخدام عمليات التحيين، والتسارع، والتسكين[1]) في إدارة توجهات الرأي العام، حيث تم دفع الجماعات القبلية والمناطقية والشعوبية لصنع تمظهرات سياسية، تم – في زحمة وبفعل ما يجري – توفير الظروف لظهورها وإنتعاشها، وتم فتح المجال الإعلامي والسياسي لظهورها والتعبير عن إنفعالها، هذا لم يكن فقط بفعل فاعل خارجي، لكنه تم كنتيجة لسقوط جهاز الدولة، أو بفعل توفير حالة ضعف المركزية الوطنية للدولة الوطنية، مما سمح طبيعيا بظهور الأمراض الداخلية في صور الإقليمية الداخلية، مثل: (الفدرالية، الحكم الذاتي، مجالس سياسية عليا لقبائل والمناطق والشعوبيات)، والتي صارت تساوم الوضع الوطني، بعدما تم بناء أطر سياسية لها، وتم تركها تبني قوتها القتالية والعسكرية جهاراً نهاراً، وتم فتح المجال الإعلامي لها، وصارت مرتبطة  بسفراء الدول الأوروبية يزورونها ويلتقونها ويساعدونها، بما فيهم سفراء الدول النووية الأعضاء في مجلس الأمن الدولي.
في هذا الخضم الوطني الداخلي والعربي المتوتر والمنفلت، إنخفض تماماً لدرجة التلاشي، العمل على وحدة الأوطان، وإختفى تماماً أي حديث عن الوحدة العربية، بل صار الحديث عنها أشبه بنكتة، فقد تم تحفيز إنفعال الرأي العام الوطني والعربي على تجريم وتتفيه الحديث عن الوطنية سياسياً، ويتم وصف الوحدة العربية بالأحلام والقومجية، وتم إلصاق تهم الدكتاتورية والطغيان بقادتها وأحزابها ومفكريها، وهكذا بالمحصلة أزيح من الفضاء العام الحديث عن الوحدة الوطنية، تماماً، وإختفى الحديث عن الوحدة العربية - حتى كمصطلح أو جملة - لم يعد ترديدها وحتى كتابتها أو قولها له أي معنى، بل وصل الأمر الى خجل الكثير من النخب من الحديث عنها او ترديدها او التنظير لها.
لقد تم دفع الأوضاع العامة في السودان، واليمن وليبيا، وسوريا، لبناء سلطات الواقع الجديد المتقسم، سلطة هنا، وسلطة هناك، وللتعمية على خطورة ما يجري يسمونها مرحلياً (أطراف النزاع)، فبناء السلطة هو الذي يصنع الأطار السياسي للدولة الجديدة، ففي ليبيا بفعل فاعل قاصد وبفعل قصور داخلي عن فهم ما يجري، تم بناء سلطة لكلا (الدولتين) على جسد ليبيا، (سلطة بنغازي)، و(سلطة طرابلس)، كلاً بكل تفاصيل بناء السلطة صنع أطار سياسي، وزارتي خارجية، مؤسستين تشريعيتين، حكومتين، وأخيراً محكمة عليا لكلاً منهما، ولم يبقى ما يجمع الدولتين (ليبيا الشرقية، وليبيا الغربية) سوى العملة، والعلم والنشيد، ومركز الاتصالات، وبعضاً من قصائد الشعر الشعبي عن ليبيا الواحدة،
وفي السودان، يتم بناء سلطتين واحدة في  (الخرطوم)، والثانية في (دار فور)، تشكلان على اليوم مجالاً حيويا يمنع قيام سلطة مركزية لدولة السودان، موحدة القرار والسيادة، أما في (اليمن)، فقد تم رهن القرار الوطني اليمن بــ(الوعد السعودي) دون أي وجود على الأرض لما يسمونها الشرعية - سلطة - لا تملك فعلها على الأرض دون القرار السعودي، الذي ربما من المهم أن يساعد، لكنه لا يمكن أن يكون بديلاً عن الفعل الوطني – هذه السلطة والشرعية – كما يسمونها - بقت تراوح مكانها خارج الحدود تسكن فنادق الرياض، حتى تم بناء سلطة في صنعاء بكل أركانها، وفي الجنوب، تدريجيا من بين ثنائا (مجلس القيادة اليمني) نفسه، إنتعش (المجلس الإنتقالي الجنوبي في عدن)، الذي ضل يعمل على تظهير سلطة أخرى محلية داخلية، سرعان ما أطلت برأسها تنادي بالإنفصال وإعلان دولة، تحت مسمى إستعادة دولة الجنوب ولا زالت التجاذبات لم تهدأ بعد فما يجري من قصف سعودي سيزيد الطين بلة، فالقصف الخارجي لم يزيح سلطة صنعاء بل زادها قوة.
 وفي سوريا يتم على نار هادئة وتعمية إعلامي، بناء سلط متنوعة: مثل (الدروز) في السويدا، ويتم دفع (العلويين) لبناء سلطة في الساحل الغربي، وسيتم دفع (السنة) تدريجاً غصباً عنهم لبناء تصور سلطة خاصة بهم (يلاحظ الحديث عن ضم لبنان لسوريا، وهو في عمقه ما يعني دمج السنة في سوريا ولبنان في إطار واحد)، وهذا كله يتم تدريجياً بعدما تم إسقاط الأنظمة الوطنية، التي مهما تم توجيه النقد لها، فهي كانت في أقل تقدير تعبير عن الحالة الوطنية، تدير مركزيتها السياسية والقانونية والفعلية بقوتها المركزية (الجيش) الوطني، الذي تم بفعل فاعل قاصد، حله وتفتيته وتجريمه ومطاردته مراتبه بالإغتيال والسجن وبتنويع التهم لقادته.
وهكذا تعرف المنطقة العربية اليوم أضخم حالة حل وتخريد للمركزية الوطنية، وتفتيت لمراتبها، وإزاحتها تماماً من التداول العام، وفتح المجال الواسع للإنفعالات (المناطقية والمذهبية والقبلية والشعوبية)، ونسج فكرة مظلوميتها، ورعايتها وتقديمها وتصعيدها، وصنع فكرة أحقيتها، وفي بعض الأحيان فتح المجال لتجاذبات محلية في شكل حروب داخلية عصبية، تسمح في النهاية لتظهير فكرة الدفاع عن النفس من الأخر، مما يوفر حجية ومنطق للتقوقع، وتظهير الشكل السياسي المطلوب ظهوره مثل: فكرة الدروز والسنة والعلويين في سوريا، ومثل فكرة دارفور في السودان، ومثل فكرة (أقاليم بيفن سيفورزا في ليبيا)، ومثل فكرة الجنوب العربي، وحضرموت في اليمن.
وهكذا صارت الأمة - التي تنشد منذ منتصف القرن الماضي وحدتها العربية – تتفتت حتى وطنياً، وصارت تلك الأوطان الكبرى بكل قوتها السابقة، تتفتت على الجهات الأربعة، وصارت تلك الأوطان التي لطالما كانت سبة (الأقليمية – الوطنية الضيقة، التجزئة)، صارت اليوم حلم البقاء نتمنى بقائها (رضينا بالهم والهم لم يرضى بنا)، يالها من مفارقة عجيب غريبة، إنخفض فيها حلم (تحقيق الوحدة العربية)، و(هزيمة الأقليمية والتجزئة)، إلى أمنية البقاء على هذه (الأقليمية والتجزئة) بالوطنيات العربية، أمام التجريف الواضح الذي يطال اليوم حتى وحدة هذه الأقليمية (الوطن)، وها هي أمامنا اليوم تتلاشي هي أيضاً وتتفتت، وتنقسم، ففعليا (لم يضعف وينتهي تقريبا الحديث عن الوحدة العربية) فقط، بل ضعف جدا وفعليا الحديث والعمل على وحدة الوطن نفسه، الوطن الدولة الإقليمية في المنطقة العربية، فهي اليوم تتحول لدويلات مستجدة غير معلنة، تأخذ مداها وتبني سلطتها الخاصة في كلاً من:  (ليبيا)، وفي (اليمن)، وفي (سوريا)، وفي (السودان)، تدريجياً وعلى مهل، والراي العام الوطني والعربي والنخب التقليدية، جلها تقريباً تتفرج بل وإنغمست في ثنايا وتفاصيل التجاذبات تاهت في الهوامش والتفاصيل، دون أي إنتباه للسياق العام الذي يحدث ويجري ويتحقق، بل وصعب جداً تحقيق إجماع  عربي او وطني، أو حتى مستوى عالي ومعقول من الإنتباه لعمليات التفتيت والتقسيم التي تجري، حيث تاه حتى المفكر العربي بين إشكاليات أيهما أسبق بناء الدولة أو تحقيق الديموقراطية، أو بناء القوة المركزية ام إخضاع الأوطان لإنفعالات الجهات والقبائل والمناطق والمذاهب والشعوبيات، وهكذا دخلت النخب التقليدية نفق وإشكالية من أسبق، (البيضة ام الدجاجة) سياسياً، وسادت عليها النخب الجديدة والمستجدة بافكارها ومصطلحاتها والأوصاف التي تطلقها وسردياتها، في عالم العولمة وتحول الخطاب الإعلامي للشعبوية عبر مواقع التواصل الإجتماعي، والتي يسود عليها الإنفعال، وتدار منهجياً عبر تمكن وتحكم تحالف ( المال، والإعلام، والفتوى، واللعبة الدولية القذرة) وبرامج برمجة الأفكار، وإدارة الرأي العام، وقيادة الجموع، بإستخدام التمكن من العلوم الإنساني من علم الإجتماع وعلم النفس، وعلم التاريخ، وعلم الإحصاء، والذي جعل منها أخيرا الذكاء الإصطناعي، سلاح فتاك لتحقيق المخططات، وتتويه الشعوب، وتمكين الأيادي الخطيرة من النهب والإستيلاء على الأموال والنفط والغاز والأرصدة، وتمكنها من تتويه الشعوب ومنع وعرقة ومحاربة وقمع أي محاولة لإيقاظها، أو تنبيهها لما يجري من عمليات تقسيم المقسم، وتفتيت الدول.
وفي هذا كله، غاب حتى في خطاب النخب - السياسية والتعليمية والفكرية والأدبية والثقافية العربية  سوى على مستوى الوطن العربي او على المستوى الوطني في بلداننا - وإنتهى تقريباً عن الفضاء العام (أي حديث عن الوحدة العربية) - وحتى التعاون والتكامل العربي، وسياقها من الأوصاف والمصطلحات والمفاهيم - عن السيادة والمقاومة والتحرر، بل أن الحديث والدفاع عن (الوحدة الوطنية) نفسها غاب اليوم في (ليبيا واليمن والسودان وسوريا) لمصلحة التقسيم والتفتيت التدريجي - والحبل على الجرار لباقي الدول العربية تباعاً - وظهر بقوة في بلداننا الحديث عن (الحقوق الثقافية والشعوب الأصلية) الغريب العجيب، وظهرت المجالس العليا، وظهرت أوصاف ومصطلحات حقوق المناطق والمطالبات بـــ(الكوتا) الخاص المخصصة سياسياً، وظهر وهم (التوزيع العادل للثروة) ككلمة حق يراد بها باطل، بحجتها يتم  تقسيم الأوطان، وبعثرة مركزيتها السياسية والعسكرية والأمنية، يحدث هذا أمام سمع وأبصار النخب والقطاعات العريضة من المتعلمين والسياسيين، والنقابات، والكتاب والأدباء، وتراخت وتراجعت حالة الدفاع الذاتي للأوطان، بل ونرى إستسلام شبه تام لما يجري، وضعف بائن في مستوى ردة الفعل الوطني (الدفاع الذاتي للأوطان) تجاه ما يحدث، فالسيطرة على فضاء الإعلام العربي والوطني منجرفة تماما مع تعلية ما يجري وتصويره حقوق وحق ونصر وثورة وحرية وديموقراطية، يتم ضخها في العقل الفردي والجمعي للرأي العام، وللأسف حتى للكثير من النخب الوطنية والعربية، التي صار لها أيضا أولوياتها الخاصة المنجرفة، او الخائفة، او المتقية لشرور المواجهة، والكثير منها صارت مبحوحة الصوت، لا تمارس حتى أضعف الإيمان في ا لدفاع باللسان والفكر، كلمة مكتوبة أو مسموعة أو مرئية، ولو في أضيق نطاق، ولله الأمر من قبل ومن بعد.
 
 

[1] أنظر كتابي: المشهد العربي تجليات وأبعاد 2011 – 2020م – وكتابي: مقدمات في جيوبولتيك النهوض الليبي.