في موقف يعكس دقة اللحظة الإقليمية وتعقيداتها، أعلنت الجمهورية الإسلامية الموريتانية إدانتها للاعتداءات الإيرانية على عدد من الدول العربية، معبّرة في الوقت ذاته عن قلقها من الهجمات الأمريكية–الإسرائيلية التي استهدفت الجمهورية الإسلامية الإيرانية. بيانٌ يبدو في ظاهره توفيقياً، لكنه في جوهره يحمل رسائل سياسية محسوبة بعناية.
اللافت في الموقف الموريتاني أنه جمع بين إدانة واضحة لما اعتبره مساساً بأمن دول عربية شقيقة، هي المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة ودولة الكويت ودولة قطر ومملكة البحرين والمملكة الأردنية الهاشمية، وبين التحذير من مخاطر التصعيد الواسع في المنطقة. هذه الصياغة المزدوجة لا تعكس ارتباكاً بقدر ما تعبّر عن تموضع دبلوماسي يراعي شبكة علاقات موريتانيا العربية والإسلامية، ويؤكد في الآن ذاته تمسكها بمبادئ السيادة ورفض الحروب المفتوحة.
ومن اللافت في صياغة البيان أنه تجنّب وصف الهجمات على إيران بـ«العدوان»، واكتفى بالتعبير عن القلق إزاء التطورات العسكرية. هذا الاختيار اللغوي ليس تفصيلاً عابراً، بل يعكس حرصاً دبلوماسياً واضحاً على عدم تبنّي توصيف قانوني أو سياسي قد يُفهم كاصطفاف مباشر في النزاع. فمصطلح «العدوان» يحمل حمولة إدانة صريحة وتحديداً للمسؤولية، بينما صيغة «القلق» تترك هامشاً أوسع للمناورة السياسية وتُبقي الباب مفتوحاً أمام خطاب متوازن يدعو إلى التهدئة دون الانخراط في سجال الاتهامات.
فالبيان لم يكتفِ بإعلان التضامن، بل اعتبر أن أي مساس بأمن تلك الدول هو مساس بأمن موريتانيا نفسها، وهي عبارة تحمل دلالة سياسية قوية، تشير إلى تصور للأمن القومي العربي باعتباره وحدة مترابطة. في المقابل، لم تنخرط نواكشوط في خطاب تصعيدي ضد إيران، بل حرصت على إبقاء موقفها ضمن إطار الدعوة إلى خفض التوتر.
غير أن هذا التموضع المتوازن قد يفتح الباب أمام قراءات متباينة، بل وربما سوء فهم من طرف بعض المتابعين الذين تحكمهم عواطفهم المفهومة تجاه ما يجري في المنطقة. فهناك من قد يرى في إدانة الاعتداءات الإيرانية اصطفافاً كاملاً ضد طهران، فيما قد يعتبر آخرون الاكتفاء بالتعبير عن “القلق” إزاء الضربات عليها موقفاً أقل حدة مما يقتضيه الظرف. غير أن مثل هذه القراءات العاطفية، على مشروعيتها الإنسانية، قد تغفل طبيعة العمل الدبلوماسي الذي يقوم أساساً على ضبط اللغة، ومراعاة المصالح الوطنية، وتفادي الانزلاق إلى خطاب انفعالي قد يضيّق هامش الحركة السياسية. فالموقف الموريتاني، في جوهره، لا يُقاس بحدة المفردات بقدر ما يُفهم في سياق سعيه إلى حماية الاستقرار وتجنب توسيع دائرة المواجهة.
ومن المهم، في هذا السياق، التمييز بين المواقف الرسمية للدول، المحكومة بحسابات الواقعية السياسية ومقتضيات المسؤولية السيادية، وبين مواقف الأفراد الذين يعبّرون عن آرائهم بحرية ودون أعباء الالتزامات الدبلوماسية. فالدولة، حين تصوغ بياناً رسمياً، تكون مطالَبة بمراعاة شبكة معقدة من المصالح والتحالفات والاعتبارات القانونية والأمنية، بينما يتحرك الأفراد في فضاء أوسع من التعبير، تحكمه القناعات الشخصية والانفعالات المشروعة تجاه الأحداث. الخلط بين المستويين قد يؤدي إلى سوء تقدير لطبيعة الخطاب الرسمي، الذي لا يُبنى على العاطفة بقدر ما يستند إلى منطق إدارة التوازنات وحماية المصالح الوطنية في بيئة إقليمية شديدة التعقيد.
يأتي هذا الموقف في سياق إقليمي بالغ الحساسية، حيث تتقاطع حسابات الردع العسكري مع رهانات الاستقرار الاقتصادي وأمن الطاقة والملاحة الدولية. ومن هنا تبدو دعوة موريتانيا إلى الوقف الفوري للتصعيد وضبط النفس وتغليب الحلول الدبلوماسية امتداداً لخطها التقليدي القائم على تجنب الاستقطابات الحادة، وتقديم منطق التسوية السياسية على منطق المحاور.
إن قراءة متأنية للبيان تكشف أن نواكشوط تسعى إلى تحقيق ثلاثة أهداف متوازية: تأكيد التزامها بالتضامن العربي، الحفاظ على صورة الدولة المعتدلة الداعية للحوار، وتجنب الانجرار إلى اصطفافات قد تفرض عليها كلفة سياسية أو اقتصادية في مرحلة إقليمية مضطربة.
في نهاية المطاف، يعكس الموقف الموريتاني إدراكاً بأن أمن المنطقة لا يمكن أن يُصان عبر تبادل الضربات، بل عبر إعادة الاعتبار للدبلوماسية، واحترام سيادة الدول، والبحث عن تسويات تحول دون انزلاق الشرق الأوسط إلى مواجهة أوسع قد تتجاوز حدود الأطراف المباشرة.
بقلم:أحمد محمد حماده
كاتب و محلل سياسي







