مرّ عام تقريبًا منذ أن كُلِّف موسى فال بمهمة تنسيق الحوار الوطني والإشراف على التحضير له. وخلال هذه الفترة ظل الحديث عن الحوار حاضرًا في المشهد السياسي، بين ترقب البعض وتردد البعض الآخر، دون أن تتضح معالم انطلاقه بشكل نهائي. غير أن تسليم ردود كل من أحزاب الأغلبية ومؤسسة المعارضة الديمقراطية على وثيقة الحوار خلال الأيام الأخيرة يوحي بأن المسار دخل مرحلة أكثر جدية، وأن التحضيرات ربما اقتربت من لحظة الحسم.
خلال الأشهر الماضية بقي الحوار الوطني فكرة مطروحة في النقاش السياسي، لكنها لم تتجاوز في كثير من الأحيان حدود التصريحات واللقاءات التمهيدية. أما اليوم، ومع تقديم الأطراف السياسية الرئيسية لملاحظاتها على الوثيقة المنظمة للحوار، يبدو أن الأمور بدأت تتحرك في اتجاه بلورة مواقف واضحة تمهد لانطلاق هذا المسار الذي يعوَّل عليه كثيرون لمعالجة عدد من الإشكالات السياسية المزمنة في البلاد.
أحزاب الأغلبية الداعمة للرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني قدمت تصورها للحوار باعتباره إطارًا لتعزيز الاستقرار السياسي وترسيخ ثقافة التشاور في إدارة القضايا الوطنية الكبرى. ومن خلال ردها على الوثيقة، ركزت الأغلبية على مجموعة من الملفات التي ترى أنها تشكل أولويات في هذه المرحلة، من بينها تعزيز الوحدة الوطنية وتقوية اللحمة الاجتماعية، وتحسين المنظومة الانتخابية والديمقراطية، إضافة إلى ملفات حساسة مثل مخلفات الرق والإرث الإنساني وتعزيز الحكامة والشفافية في إدارة الشأن العام.
كما اقترحت الأغلبية هيكلة تنظيمية لإدارة الحوار تقوم على وجود جمعية عامة للإشراف، ولجنة للتحكيم، وأخرى للتسيير، إلى جانب لجنتين موضوعيتين تعني إحداهما بقضايا المواطنة والانسجام الوطني، بينما تتولى الثانية بحث قضايا الحكامة المؤسسية والديمقراطية. ويعكس هذا المقترح رغبة في إعطاء الحوار إطارًا تنظيميًا واضحًا يساعد على إدارة النقاشات بشكل منظم.
في المقابل، عبّرت مؤسسة المعارضة الديمقراطية عن موقف يبدو في مجمله إيجابيًا تجاه الحوار، حيث أكد زعيمها حمادي سيد المختار أن الحوار يظل خيارًا لا بديل عنه لمعالجة الإشكالات التي تواجه البلاد. كما شدد على ضرورة أن يكون هذا الحوار جادًا وقادرًا على تناول القضايا الكبرى بصراحة ومسؤولية، داعيًا مختلف الفاعلين السياسيين إلى التحلي بالإيجابية وتجاوز الحسابات الضيقة حتى لا يتحول الحوار إلى تجربة أخرى تضاف إلى تجارب سابقة لم تحقق النتائج المرجوة.
وإذا ما تأملنا في المواقف المعلنة من الطرفين، يمكن القول إن هناك قدرًا من التقاطع في تشخيص بعض الأولويات، خاصة ما يتعلق بتعزيز الوحدة الوطنية وتحسين الممارسة الديمقراطية وإصلاح الإدارة. غير أن الاتفاق على العناوين العامة لا يكفي في حد ذاته، إذ يبقى التحدي الحقيقي في القدرة على ترجمة هذه العناوين إلى إصلاحات عملية تحظى بقبول واسع داخل الساحة السياسية.
وفي تقديري، فإن المشاركة في هذا الحوار ينبغي أن تُفهم باعتبارها مسؤولية وطنية تقع على عاتق جميع الفاعلين السياسيين دون استثناء، ودون أن تُربط بشروط مسبقة قد تعطل انطلاقه. فالحوار بطبيعته هو المجال الذي تُطرح فيه الخلافات وتُناقش فيه القضايا المختلف حولها، وليس منطقيا أن يتحول إلى ساحة لفرض الشروط قبل أن يبدأ. المطلوب، في هذه المرحلة، هو التعامل مع فكرة الحوار بحسن نية وروح مسؤولة، تنطلق من إدراك بسيط مفاده أن مصلحة الوطن ينبغي أن تكون فوق الحسابات الحزبية الضيقة.
كما أن نجاح أي حوار جاد يظل مرتبطًا بقدر من المرونة لدى جميع الأطراف. فالتوافق لا يتحقق إذا تمسك كل طرف بمواقفه القصوى، بل يحتاج إلى استعداد لتقديم تنازلات متبادلة في سبيل الوصول إلى أرضية مشتركة. وقد أثبتت التجارب السياسية في كثير من البلدان أن التوافقات الكبرى لا تُبنى إلا على قاعدة الأخذ والعطاء، وعلى تغليب المصلحة العامة على المكاسب السياسية المؤقتة.
ومن التحديات الأخرى التي ينبغي الانتباه إليها في هذه المرحلة مسألة توسيع دائرة المشاركة في الحوار. فنجاح هذا المسار سيظل مرتبطًا بقدرته على استيعاب أكبر قدر ممكن من الطيف السياسي، بما في ذلك قوى المعارضة غير الممثلة في مؤسسة المعارضة الديمقراطية. لذلك يبدو من الضروري أن تُبذل جهود لإقناع هذه القوى بالانخراط في الحوار، لأن اتساع قاعدة المشاركة يمنح هذا المسار شرعية سياسية أكبر ويزيد من فرص نجاحه.
غير أن توسيع دائرة المشاركة ينبغي أن يتم بقدر من التوازن والحكمة حتى لا يتحول إلى عامل يميّع النقاش بدل أن يثريه. فالحوار الوطني لا يحتاج إلى تضخم عددي بقدر ما يحتاج إلى حضور القوى الحية والفاعلة في الميدان، تلك التي تمتلك تأثيرًا حقيقيًا في الواقع السياسي والاجتماعي. أما فتح الباب على مصراعيه أمام مشاركات شكلية لا تملك وزنا سياسيا فعليا فقد يؤدي إلى إبطاء المسار وإضعاف قدرته على إنتاج توافقات عملية. ولذلك فإن الحفاظ على قدر من التوازن بين شمولية المشاركة وفعالية الحوار يظل شرطا أساسيا حتى يبقى هذا المسار جادا وقادرا على تحقيق أهدافه الإصلاحية.
ولا يمكن أيضًا إغفال السياق الدولي والإقليمي الذي يأتي فيه هذا الحوار. فالعالم اليوم يعيش مرحلة من التوترات والتحولات المتسارعة، بينما تشهد منطقة الساحل اضطرابات أمنية معقدة تلقي بظلالها على محيطها الإقليمي. ويزيد من حساسية هذا الظرف ما تشهده منطقة الخليج منذ بداية شهر مارس من حرب متصاعدة، وما قد يترتب عليها من تداعيات اقتصادية وسياسية على المستوى الدولي.
في مثل هذه الظروف، يصبح تعزيز التماسك الداخلي ورصّ الصفوف مسألة بالغة الأهمية. ولهذا ربما يكون إطلاق حوار وطني جامع اليوم أكثر إلحاحًا مما كان عليه قبل عام، لأن الدول التي تواجه محيطًا إقليميًا ودوليًا مضطربًا تكون في أمسّ الحاجة إلى جبهة داخلية متماسكة قادرة على التعامل مع التحديات بثقة ووحدة موقف.
بعد عام من التحضير، يبدو أن الحوار الوطني في موريتانيا يقف اليوم على أعتاب مرحلة جديدة. غير أن نجاحه لن يتوقف على الوثائق والآليات التنظيمية وحدها، بل على مدى استعداد الفاعلين السياسيين للتعامل معه باعتباره فرصة حقيقية لبناء توافق وطني أوسع.
وفي هذا السياق، تبدو مسؤولية الحكومة كبيرة في توفير الظروف السياسية والمؤسسية الكفيلة بإنجاح هذا المسار. فالمطلوب منها أن تتعامل مع الحوار باعتباره فرصة لتعزيز الثقة بين مختلف الفاعلين السياسيين، وذلك من خلال ضمان الشفافية في تنظيمه، وتوفير الضمانات اللازمة لجميع المشاركين، وإبداء قدر من الانفتاح على مختلف المقترحات التي قد تطرح خلاله. كما أن إظهار الإرادة السياسية في تنفيذ مخرجات الحوار سيشكل عاملا حاسما في إقناع مختلف الأطراف بجدية هذا المسار، لأن نجاح أي حوار وطني لا يقاس فقط بجودة النقاشات التي تدور فيه، بل بمدى قدرة الدولة على تحويل توصياته إلى إصلاحات ملموسة تعزز الاستقرار وتدعم المسار الديمقراطي في البلاد.
فالحوار في النهاية ليس هدفًا في حد ذاته، بل وسيلة لفتح صفحة جديدة في الحياة السياسية، قائمة على قدر أكبر من الثقة والتفاهم بين مختلف مكونات المشهد الوطني. وإذا ما أُحسن استثماره، فقد يشكل خطوة مهمة في طريق ترسيخ الاستقرار وتعزيز التجربة الديمقراطية في البلاد.
بقلم أحمد محمد حماده
كاتب ومحلل سياسي







