إشكالية التسيير في موريتانيا بين الحكم العسكري والحكم شبه العسكري: قراءة تحليلية في البنية السياسية للدولة

بواسطة أبوه مولاي ادريس

يشكل موضوع التسيير العمومي في موريتانيا أحد المحاور الأساسية لفهم تطور الدولة الحديثة في هذا البلد. فمنذ الاستقلال سنة 1960 تحت قيادة المرحوم المختار ولد داداه سعت الدولة الموريتانية إلى بناء مؤسسات سياسية وإدارية قادرة على إدارة مجتمع متعدد البنى الاجتماعية والاقتصادية. غير أن هذا المسار تعرض لتحول عميق بعد انقلاب 1978 الذي أدخل البلاد في مرحلة طويلة من هيمنة المؤسسة العسكرية على المجال السياسي.
ومنذ ذلك التاريخ، يمكن تمييز مرحلتين أساسيتين في تطور النظام السياسي الموريتاني: مرحلة الحكم العسكري المباشر (1978–2005)، ومرحلة الحكم شبه العسكري التي بدأت عمليًا بعد انقلاب 2008 بقيادة الرئيس محمد عبد العزيز واستمرت مع وصول الرئيس محمد ولد الغزواني إلى السلطة عبر الانتخابات.
تهدف هذه الدراسة إلى تحليل إشكالية التسيير في هاتين المرحلتين من خلال مقاربة سياسية مؤسساتية تركز على طبيعة الدولة، وعلاقة السلطة بالمؤسسات، وتأثير البنية الاجتماعية والاقتصادية في فعالية الإدارة العمومية.
 
أولًا: الدولة الموريتانية وأزمة بناء المؤسسات
قبل تحليل الحقبتين العسكريتين، لا بد من الإشارة إلى أن مشاكل التسيير في موريتانيا ترتبط جزئيًا بطبيعة الدولة التي تشكلت بعد الاستقلال.
فالدولة الموريتانية نشأت في سياق يتميز بثلاث خصائص رئيسية:
1ضعف الإرث المؤسسي الاستعماري
الإدارة التي تركها الاستعمار الفرنسي كانت محدودة ومركزة أساسًا في المدن الساحلية.
2البنية الاجتماعية التقليدية
المجتمع الموريتاني كان قائمًا على البنى القبلية والتراتبية الاجتماعية، وهو ما جعل عملية بناء دولة حديثة عملية معقدة.
3الاقتصاد الريعي المحدود
اعتمد الاقتصاد أساسًا على الموارد الطبيعية مثل الحديد والصيد، وهو ما أدى إلى بروز نموذج دولة تعتمد على توزيع الموارد بدل إنتاجها.
هذه العوامل شكلت الخلفية البنيوية التي ستؤثر لاحقًا في طبيعة التسيير خلال فترات الحكم العسكري.
 
 
ثانيًا: الحكم العسكري المباشر (1978–2005) وإشكالية الإدارة السلطوية
1 التحول من الدولة المدنية إلى الدولة العسكرية
جاء انقلاب 1978 في سياق أزمة سياسية واقتصادية عميقة مرتبطة بالحرب في الصحراء. ومع سقوط النظام المدني، أصبحت السلطة في يد ضباط الجيش الذين تعاقبوا على الحكم، من بينهم:
المصطفى محمد السالك ومحمد خون ولد هيدالة ومعاوية ولد سيد احمد الطايع
وقد أدى هذا التحول إلى انتقال الدولة من نموذج الإدارة المدنية إلى نموذج يمكن وصفه بـ الإدارة السلطوية ذات الطابع العسكري.
2 مركزية القرار وضعف المؤسسات
أحد أبرز مظاهر مشاكل التسيير في هذه المرحلة كان التركيز الشديد للسلطة.
فالقرارات الأساسية لم تكن تصدر عن مؤسسات مدنية منتخبة، بل عن مجالس عسكرية محدودة العضوية. وقد ترتب على ذلك:
·       ضعف دور البرلمان
·       تهميش الأحزاب السياسية
·       محدودية الرقابة على السلطة التنفيذية
وبذلك أصبحت الدولة تعتمد على شبكات السلطة داخل المؤسسة العسكرية بدل المؤسسات الرسمية.
3تسييس الإدارة العمومية
من أهم نتائج هذا النموذج السياسي تحول الإدارة إلى أداة سياسية.
فبدل أن تكون الإدارة جهازًا محايدًا لتنفيذ السياسات العامة، أصبحت مرتبطة بمنطق الولاء للنظام.
وقد أدى ذلك إلى:
·       انتشار التعيينات ذات الطابع السياسي
·       تراجع معيار الكفاءة المهنية
·       ضعف استقلالية الجهاز الإداري
وهو ما انعكس سلبًا على فعالية التسيير في مختلف القطاعات.
4غياب التخطيط التنموي المستدام
تميزت هذه المرحلة أيضًا بضعف التخطيط الاقتصادي طويل المدى. ويرجع ذلك إلى عدة عوامل، منها:
-        عدم الاستقرار السياسي
-        غياب المؤسسات التخطيطية القوية
-        محدودية الخبرة الاقتصادية لدى النخب العسكرية الحاكمة
وقد أدى ذلك إلى استمرار هشاشة الاقتصاد الوطني.
 
ثالثًا: الحكم شبه العسكري وإشكالية الانتقال غير المكتمل
1من السلطة العسكرية إلى الشرعية الانتخابية
شهدت موريتانيا في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين محاولة للانتقال نحو نظام ديمقراطي، لكن انقلاب 2008 أعاد المؤسسة العسكرية إلى واجهة السلطة.
غير أن هذا الانقلاب أدى إلى نشوء نموذج جديد يمكن وصفه بـ الحكم شبه العسكري، حيث أصبح الضباط السابقون يصلون إلى السلطة عبر الانتخابات.
وقد تجسد هذا النموذج مع الرئيس محمد ولد عبد العزيز ثم الرئيس محمد ولد الغزواني 
2استمرار تأثير المؤسسة العسكرية في المجال السياسي
رغم الطابع الانتخابي للنظام، فإن المؤسسة العسكرية بقيت فاعلًا مركزيًا في النظام السياسي.
ويتجلى ذلك في:
-        الخلفية العسكرية للنخبة الحاكمة
-        استمرار العلاقات العضوية بين السلطة السياسية والمؤسسة العسكرية
وبذلك فإن النظام السياسي الموريتاني أصبح يجمع بين الشرعية الانتخابية والنفوذ العسكري.
3أزمة الفعالية الإدارية
رغم تحسن بعض المؤشرات السياسية، فإن الإدارة الموريتانية ما تزال تواجه عدة تحديات، من أبرزها:
-        البيروقراطية وتعقيد الإجراءات
-        ضعف التنسيق بين المؤسسات
-        مركزية القرار الإداري
كما أن إصلاح الإدارة ظل محدودًا مقارنة بحجم التحديات التنموية.
4التحديات الاقتصادية والاجتماعية
يواجه التسيير العمومي في هذه المرحلة تحديات مرتبطة بطبيعة الاقتصاد الوطني، من بينها:
-        الاعتماد الكبير على الموارد الطبيعية
-        ضعف تنويع الاقتصاد
-        ارتفاع معدلات البطالة بين الشباب
وهي عوامل تجعل إدارة التنمية مسألة صعبة
رابعًا: قراءة مقارنة في طبيعة التسيير بين المرحلتين
من خلال تحليل الحقبتين، يمكن ملاحظة أن الفرق بينهما لا يكمن في غياب المشاكل أو وجودها، بل في طبيعة النظام السياسي الذي يدير هذه المشاكل.
ففي مرحلة الحكم العسكري المباشر، كانت الدولة تقوم على نموذج سلطوي مركزي يهيمن فيه الجيش على كل مفاصل السلطة.
أما في مرحلة الحكم شبه العسكري، فقد ظهرت مؤسسات سياسية وانتخابية، لكنها تعمل في إطار توازنات سياسية ما تزال تتأثر بتاريخ تدخل الجيش في السياسة.
وبذلك يمكن القول إن موريتانيا تعيش مرحلة انتقال مؤسسي لم تكتمل بعد.
 
تُظهر دراسة التسيير في موريتانيا أن المشاكل الإدارية والسياسية التي عرفتها البلاد ليست مجرد نتيجة لقرارات ظرفية، بل هي انعكاس لمسار تاريخي طويل تداخلت فيه العوامل السياسية والمؤسساتية والاجتماعية.
فهيمنة المؤسسة العسكرية منذ نهاية السبعينيات أثرت بعمق في طبيعة الدولة، بينما لم تستطع مرحلة الحكم شبه العسكري حتى الآن تحقيق قطيعة كاملة مع هذا الإرث.
ومن ثم فإن تحسين التسيير العمومي في موريتانيا يتطلب إصلاحات عميقة تشمل:
·       تعزيز استقلالية المؤسسات المدنية
·       إصلاح الإدارة العمومية
·       تطوير الاقتصاد الوطني وتنويعه
وهي شروط أساسية لبناء دولة حديثة قادرة على تحقيق تنمية سياسية واقتصادية مستدامة.
 
عبد الله لبات