ثمة شعوبٌ تتعب من قسوة الحياة، وثمة شعوبٌ تتعب من الذين يجعلون الحياة أقسى مما ينبغي. والشعب الموريتاني، الذي طالما واجه شظف العيش بصبر الكرام، بات اليوم أحوج ما يكون إلى أن يسأل نفسه: إلى متى نظل نبحث عن فسحة للفرح في وطنٍ كان ينبغي أن يكون مصدر سعادتنا، لا امتحانًا يوميًا لقدرتنا على الاحتمال؟
وسط الوجع، تبقى مساحة للفرح، وفي قلب اليأس يولد الأمل؛ لكن الأمل ليس أن نُحسن التعايش مع البؤس، ولا أن نتقن ابتلاع الخيبات، ولا أن نُورِّث أبناءنا الصبر على واقعٍ كان يمكن أن يكون أفضل. الأمل الحقيقي أن نسترد حقنا في حياة كريمة، وأن نؤمن بأن الأوطان لا تُبنى بقدرة شعوبها على احتمال الألم، بل بقدرة حكامها على رفع أسبابه.
أيها الشعب الموريتاني، يا من تعلّمت أن تصبر أكثر مما ينبغي، وأن تنتظر أكثر مما يليق، كيف صار بلدك، بما يختزنه من ثروات وإمكانات، يمد يده إلى الهيئات المانحة والدول الغنية، فيما تظل قطاعات واسعة من أبنائه تكابد الفقر، وتزداد أعباء المعيشة، وتُثقل الديون كاهل الحاضر والمستقبل؟ إن السؤال ليس عن حاجتنا إلى التعاون الدولي، بل عن أسباب عجزنا عن تحويل ما نملكه إلى رخاء، وعن الخلل الذي يجعل الثروة حاضرة في باطن الأرض، وغائبة عن موائد الفقراء وحقوق المواطنين.
إن أخطر ما في الفقر ليس أن تقلّ الموارد، بل أن تتحول أسباب الفقر إلى جزء من بنية الحكم والتسيير؛ وأن يصبح الفساد، بدل أن يكون انحرافًا يُقاوَم، احتمالًا قائمًا في صميم المنظومة، وأن تتحول محاربته إلى شعار تتوارثه الحكومات المتعاقبة، تتغير الوجوه وتبقى الأسئلة معلقة، وتُرفع اللافتات فيما ينتظر المواطن أثرها في حياته فلا يجده.
ولعل التعليم هو المرآة الأكثر قسوة التي يرى فيها الموريتانيون المسافة بين القول والفعل. تُرفع الشعارات عن إصلاح المدرسة الجمهورية، وتكافؤ الفرص، وضمان التعليم للجميع، بينما يتنقل الآباء في العاصمة من مدرسة إلى أخرى، لا بحثًا عن امتياز، بل عن مقعد لطفلٍ يدخل السنة الأولى من عمره المدرسي، أو عن مكان لابنٍ بلغ السنة الثالثة إعدادية. وقد ينتهي بهم المطاف أمام مدير مدرسة يضعهم أمام حقيقة موجعة: القسم مكتظ بأكثر من مائة تلميذ، وإذا كنت تعلم أن طفلك سيُحشر هنا دون تحصيل حقيقي، فافعل ما تراه مناسبًا!
أيُّ إصلاح هذا الذي يضع الأب بين خيارين أحلاهما مرّ: أن يحرم ابنه من التعليم، أو أن يرسله إلى فصلٍ قد يحضر فيه جسده ويغيب عنه حقه في التعلم؟ وأيُّ عدالة اجتماعية يمكن أن تقوم حين يصبح التعليم الجيد امتيازًا لمن يستطيع شراءه، بينما يُترك أبناء الفقراء لمقاعد مكتظة ومدارس تعاني نقص الوسائل والكوادر؟
وليس الجرح في الخدمات وحدها، بل في الثقة التي تتآكل كلما وجد المواطن نفسه أمام روايتين متناقضتين، حتى في القضايا التي تمس المصلحة العامة. حين يُعلن مسؤول أنه لم يتواصل مع لجنة تحقيق في كارثة تتعلق بشركة الكهرباء، ثم يصرّح رئيس اللجنة بأنه كان على صلة به طوال فترة التحقيق، فإن المسألة لا تعود مجرد اختلاف في روايتين؛ إنها امتحان لحق المواطن في معرفة الحقيقة، ولمعنى المسؤولية، ولقدرة المؤسسات على صيانة ثقة الناس بها. والحسم هنا لا يكون بالانطباعات، ولا بالمكانة الشخصية لأي طرف، بل بالوقائع الموثقة والتحقيق المستقل والمساءلة الواضحة.
إن مشاعر الشعب ليست تفصيلًا هامشيًا في إدارة الدولة، كما أن كرامته ليست بندًا قابلًا للتأجيل. وحين تتكرر الخيبات، ويُستهان بالحقوق، وتُستنزف الثروات، ثم يُطلب من المواطن أن يواصل الصبر والتصفيق والانتظار، فإننا لا نكون أمام أزمة خدمات فحسب، بل أمام أزمة معنى: ما جدوى الدولة إذا لم يشعر المواطن بأنها تحميه؟ وما قيمة الشعارات إذا لم يجد لها أثرًا في مدرسته ودوائه ورغيفه ومستقبل أبنائه؟
ومع ذلك، لا أريد لهذا الكلام أن يكون مرثية لوطن، ولا إعلانًا لليأس من شعبه. فالشعب الموريتاني لا يحتاج إلى استعارة جينات شعوب أخرى، بل إلى استعادة ثقته بقدرته على التغيير، وإلى تحرير طاقاته من الخوف واللامبالاة، وإلى نخب تجعل الكفاءة معيارًا، والمحاسبة واجبًا، والمال العام أمانة، والمواطن غاية الحكم لا وسيلة بقائه.
إن الصبر فضيلة حين يمنحنا القوة لمواجهة الشدائد، لكنه يصبح خطرًا حين يُتخذ ذريعة لإدامتها. والأمل قيمة عظيمة حين يقود إلى الفعل، لكنه يتحول إلى مخدّر حين يُطلب من الناس أن يكتفوا به بدل حقوقهم.
يا أبناء موريتانيا، من حقكم أن تفرحوا، لكن من حقكم أيضًا أن تعرفوا لماذا حُرمتم كثيرًا من أسباب الفرح. ومن حقكم أن تصبروا، لكن ليس من حق أحد أن يجعل صبركم موردًا دائمًا لسوء التسيير.
هذه الأرض أوسع من عجز حكوماتها، وأغنى من فقر أبنائها، وأكرم من أن تظل براءة شعبها فرصةً لمن يستغلها. وما نحتاج إليه اليوم ليس أن نتعلم كيف نحتمل الظلام طويلًا، بل أن نمتلك الشجاعة الكافية لإضاءة المصابيح، ومحاسبة من أطفأها، وبناء وطن لا يضطر فيه الأب إلى الاستجداء بمقعد لطفله، ولا المواطن إلى استجداء الحقيقة، ولا الشعب إلى استعارة الأمل من منشور صباحي كي يواصل العيش.
فموريتانيا لا ينقصها ما يجعلها وطنًا كريمًا؛ إنما ينقصها أن يصبح حق شعبها في الكرامة أقوى من كل المصالح التي عطّلته.
حمادي أباتي
يتواصل







