بين خطاب فاتح مارس وظلال الأسئلة الكبرى

بواسطة وكالة الإعلام …

في حياة الشعوب لحظات نادرة تتجاوز فيها السياسة حدود التنافس على السلطة لتتحول إلى أمل جماعي.

وكان خطاب فاتح مارس 2019 بالنسبة لكثير من الموريتانيين إحدى تلك اللحظات.

لم يكن الأمر متعلقًا بشخص مرشح للرئاسة بقدر ما كان متعلقًا بصورة دولة حلم الناس بولادتها؛ دولة عدالة بدل المحاباة، ودولة مؤسسات بدل الأشخاص، ودولة قانون بدل النفوذ.

ولعل ما ميز تلك المرحلة أن شرائح واسعة من النخب الوطنية، التي لم تعتد الانخراط في حملات المرشحين ولا في صناعة الهالات السياسية حول الحكام، وجدت نفسها للمرة الأولى تدعم مشروعًا رأت فيه إمكانية العبور بالبلاد من مرحلة إلى أخرى.

كان الرهان كبيرًا.

وكانت الثقة أكبر.

لكن السياسة، كما يعلمنا التاريخ، لا تُقاس بالبدايات بل بالمآلات.

واليوم، بعد سنوات من ذلك الخطاب، لم يعد السؤال الذي يشغل الموريتانيين متعلقًا بالوعود التي قُدمت، بل بالمسافة الفاصلة بين تلك الوعود وبين الواقع.

فالواقع يقول إن الفساد ما يزال حاضرًا.

والواقع يقول إن النفوذ ما يزال حاضرًا.

والواقع يقول إن المواطن ما يزال يطارد لقمة العيش في سوق يلتهم قدرته الشرائية كل يوم.

أما الخطاب الرسمي فما يزال يكرر العناوين نفسها: محاربة الفساد، إصلاح الإدارة، تعزيز الحكامة.

وهنا تبدأ الأزمة الحقيقية.

أزمة الثقة.

لأن الشعوب لا تفقد ثقتها بسبب الفشل وحده، بل بسبب التناقض بين ما تسمعه وما تراه.

لقد استمع الموريتانيون خلال السنوات الماضية إلى شهادات وشواهد تستحق التأمل.

ومن بينها ما روته شخصية وطنية معروفة بالاستقامة والوضوح، حين تحدثت عن تلقيها دعوة من وزير الدفاع آنذاك للانخراط في الحراك الداعي إلى مأمورية ثالثة للرئيس السابق.

قد يختلف الناس حول دلالات هذه الواقعة، لكنها تظل كافية لإثارة سؤال مشروع:

ما الذي حدث فعلًا داخل دوائر السلطة؟

كيف انتقل المشهد من الدعوة إلى استمرار مشروع سياسي معين إلى صراع انتهى بمحاكمة رأس ذلك المشروع ومصادرة جانب من ثروته؟

وهل كان الخلاف خلافًا حول مبادئ الحكم أم خلافًا حول إدارة السلطة؟

لا أحد يملك الإجابة الكاملة.

لكن ما يثير الاستغراب أن المواطن البسيط لم يعد قادرًا على فهم الصورة.

فإذا كان الرئيس السابق قد أصبح عنوانًا لمرحلة يراد تجاوزها، فإن كثيرًا من الوجوه التي ارتبطت بتلك المرحلة ما تزال حاضرة.

وإذا كانت الحرب قد أُعلنت على الفساد، فإن كثيرًا من الذين يتهمهم الشارع بالاستفادة من منظومات الفساد ما زالوا يتحركون بحرية داخل المشهد السياسي والاقتصادي والإداري.

وهنا تكمن المعضلة.

فالدول لا تقنع شعوبها بأنها حاربت الفساد بمحاكمة شخص واحد مهما كان موقعه.

الدول تقنع شعوبها حين يشعر المواطن أن القانون أصبح أقوى من النفوذ.

وحين يرى أن معايير المساءلة تطبق على الجميع.

وحين يلاحظ أن أبواب السلطة لم تعد مفتوحة للأسماء نفسها التي ظلت تتنقل بين المواقع لعقود.

أما إعادة تدوير الأشخاص أنفسهم ثم مطالبة الناس بالإيمان بالتغيير، فذلك يشبه مطالبة المريض بالتصديق أنه يتلقى علاجًا جديدًا بينما يرى الوصفة القديمة نفسها أمامه كل صباح.

لقد أصبح مصدر القلق لدى كثير من الموريتانيين ليس ما يعرفونه، بل ما يجهلونه.

فالغموض هو البيئة المثالية لنمو الشكوك.

والصمت الطويل هو الحاضنة الطبيعية للريبة.

وحين تتراكم الأسئلة من دون أجوبة، تبدأ الثقة في التآكل بصمت.

واليوم لم يعد المواطن يتساءل فقط عن مصير الفساد.

بل يتساءل عن طبيعة المعركة أصلًا.

هل نحن أمام قطيعة حقيقية مع الماضي؟

أم أمام إعادة ترتيب لموازين القوى داخل الماضي نفسه؟

ذلك هو السؤال الذي يتردد في المجالس والبيوت والأسواق.

وذلك هو السؤال الذي لا تستطيع البيانات الرسمية الإجابة عنه.

إن أخطر ما يمكن أن تواجهه السلطة ليس معارضة ترفع الشعارات، بل شعبًا يبدأ بالتشكيك في الرواية الرسمية للأحداث.

وحين يصل الناس إلى هذه المرحلة، يصبح الإصلاح الحقيقي ضرورة وجودية لا مجرد خيار سياسي.

لكن القضية اليوم لم تعد قضية تحليل سياسي فحسب.

فخلف كل هذه الأسئلة يقف واقع اجتماعي أكثر قسوة من كل السجالات السياسية.

هناك مواطن أنهكه الغلاء.

وهناك أسرة أصبحت تقيس أيامها بما تبقى من مؤونتها لا بما تبقى من الشهر.

وهناك شباب بدأ يفقد ثقته في إمكانية تحسين واقعه داخل بلده.

وهناك طبقة متوسطة كانت تمثل صمام الأمان الاجتماعي، تتراجع عامًا بعد عام تحت ضغط الأسعار وتآكل القدرة الشرائية.

ولهذا لم يعد النقاش الحقيقي يدور حول الأشخاص بقدر ما يدور حول الزمن.

فالوقت لم يعد يعمل لصالح أحد.

والشعوب قد تصبر طويلًا على الأزمات حين ترى أفقًا للحل، لكنها تصبح أكثر قلقًا حين تشعر أن الزمن يمر بينما تبقى الأوضاع على حالها.

إن أخطر ما في اللحظة الراهنة ليس الفقر وحده، ولا الفساد وحده، ولا ضعف الإدارة وحده، بل اجتماع هذه العوامل كلها في وقت واحد مع تراجع الأمل في التغيير.

ولهذا فإن ما ينتظره الموريتانيون اليوم ليس تعديلًا في الوجوه، ولا تغييرًا في العناوين، ولا خطابات جديدة عن الإصلاح.

إنهم ينتظرون فعلًا سياسيًا بحجم الأزمة.

فعلًا يعيد للدولة هيبتها، وللقانون سلطته، وللمواطن ثقته.

إن البلاد لم تعد بحاجة إلى إدارة الأزمة، بل إلى حلها.

ولم تعد بحاجة إلى ترميم الصورة، بل إلى تغيير الواقع.

وإذا كانت الثقة قد بدأت تتآكل، فإن الفرصة ما تزال قائمة لاستعادتها.

لكن التاريخ يعلمنا أن الفرص السياسية مثل المواسم الزراعية؛ لكل موسم وقته، وإذا تأخر الحصاد ضاع الزرع مهما كانت جودة البذور.

ولهذا فإن السؤال الذي يطرحه الناس اليوم ليس: هل يمكن الإصلاح؟

بل: هل سيأتي الإصلاح قبل أن يفقد الناس آخر ما تبقى لهم من صبر وأمل؟

 

حمادي سيدي محمد آباتي

مهتم بالشأن العام