لم يكن انتخاب عثمان سونكو رئيسًا للجمعية الوطنية في السنغال مجرد انتقال عادي داخل مؤسسات الدولة، بل بدا أقرب إلى إعادة رسم لخريطة النفوذ داخل السلطة نفسها. فالرجل الذي غادر رئاسة الحكومة عاد سريعًا من بوابة البرلمان، في خطوة تؤكد أن خروجه من الجهاز التنفيذي لا يعني تراجع حضوره السياسي، بل ربما انتقاله إلى موقع يمنحه قدرة أكبر على التأثير وإدارة التوازنات.
منذ وصول باسيرو ديوماي فاي إلى الرئاسة بدعم مباشر من سونكو وحزب باستيف، بدا المشهد وكأنه تحالف متماسك جمع بين شرعيتين؛ شرعية الدولة التي يمثلها الرئيس المنتخب، وشرعية الشارع التي ظل سونكو يحتفظ بها حتى بعد دخوله الحكم. لكن التجارب السياسية كثيرًا ما تكشف أن الانتقال من المعارضة إلى السلطة يفتح بابًا جديدًا للتنافس، لأن الشركاء الذين توحدهم معركة الوصول إلى الحكم قد تفرقهم لاحقًا معركة إدارة النفوذ داخله.
إقالة الحكومة السابقة وما تبعها من إعادة ترتيب للمشهد التنفيذي أوحت بأن الرئاسة بدأت تبحث عن مساحة استقلال أوسع بعيدًا عن هيمنة سونكو وجناحه داخل السلطة. غير أن الأخير لم يبدُ مستعدًا للتراجع إلى الصف الثاني، بل اختار موقعًا سياسيًا لا يقل أهمية عن رئاسة الحكومة، وربما يمنحه هامش حركة أكبر. فقيادة البرلمان تضعه في قلب الدولة دون أن تحمله مسؤولية الأزمات اليومية، وتتيح له في الوقت نفسه مراقبة السلطة التنفيذية والتأثير في قراراتها.
وما يجري اليوم في السنغال لا يبدو انقسامًا كاملاً داخل الموالاة الحاكمة، لكنه بالتأكيد يكشف بداية تشكل مركزين للقوة داخل النظام. فمن جهة يسعى الرئيس فاي إلى تثبيت صورته كرئيس دولة يقود مؤسسات الحكم بهدوء وبراغماتية، ومن جهة أخرى يحتفظ سونكو بصورة الزعيم الشعبي القادر على مخاطبة الشارع وتحريك قواعده السياسية متى أراد.
وهذه الازدواجية قد تتحول مع الوقت إلى مصدر توتر دائم، خاصة إذا شعر أحد الطرفين بأن الآخر يحاول احتكار القرار أو تقليص نفوذه.
الأكثر لفتًا أن سونكو ما يزال يتحدث بلغة أقرب إلى خطاب المعارضة رغم وجوده داخل السلطة، وهو ما يمنحه قدرة على الجمع بين موقع الحاكم وصورة المعارض في آن واحد.
فالرجل بنى مشروعه السياسي على مواجهة النخب التقليدية ورفع شعارات السيادة والتغيير، ولذلك يصعب عليه التحول الكامل إلى رجل مؤسسات تقليدي دون أن يفقد جزءًا من بريقه الشعبي. ومن هنا قد يتحول البرلمان تحت قيادته إلى مساحة ضغط سياسي على الحكومة، لا مجرد مؤسسة داعمة لها.
السنغال تبدو اليوم أمام مرحلة جديدة عنوانها إدارة التوازن بين الشريكين اللذين أوصلا بعضهما إلى السلطة. فالعلاقة بين فاي وسونكو لم تعد مجرد تحالف انتخابي بسيط، بل أصبحت علاقة معقدة تجمع بين الشراكة والتنافس في الوقت نفسه. وقد ينجح الطرفان في الحفاظ على تماسك المعسكر الحاكم عبر توزيع النفوذ وتجنب الصدام المباشر، كما قد تتطور الخلافات تدريجيًا إلى مواجهة سياسية أكثر وضوحًا، خاصة إذا بدأت القواعد الحزبية بالاصطفاف خلف أحد المركزين.
ولهذا فإن انتخاب سونكو رئيسًا للبرلمان لا يمكن النظر إليه كحدث بروتوكولي عابر، بل كإشارة إلى أن معركة النفوذ داخل السلطة السنغالية بدأت تتخذ شكلًا جديدًا. فالرجل لم يغادر المشهد، بل أعاد التموضع داخله، فيما تبدو البلاد مقبلة على اختبار سياسي حقيقي سيحدد ما إذا كان الشريكان قادرين على إدارة الحكم معًا، أم أن تحالف الأمس سيتحول تدريجيًا إلى صراع على قيادة السنغال الجديدة.







